يوسف المرعشلي
437
نثر الجواهر والدرر في علماء القرن الرابع عشر
عن أحد أبويه ، وسار إلى مدينة النبي صلى اللّه عليه وسلم ، لقي شيوخه وعاد إلى الهند ، ولازم بيته فلم يخرج منه إلا مرة أو مرتين إلى « ديوبند » للنظر في شؤون المدرسة العربية بها . وكان قبل سفر الحجاز في المرة الثالثة يقرئ في علوم عديدة من الفقه والأصول والكلام والحديث والتفسير ، وبعد العودة من الحجاز في المرة الآخرة أفرغ أوقاته لدرس الصحاح الستة ، والتزم أن يدرسها في سنة واحدة ، وكان يقرئ « جامع الترمذي » أولا ، ويبذل جهده فيه في تحقيق المتن والإسناد ، ودفع التعارض وترجيح أحد الجانبين ، وتشييد المذهب الحنفي ، ثم يقرئ الكتب الأخرى « سنن أبي داود » « فصحيحي البخاري ومسلم » « فالنسائي » و « ابن ماجة » سردا مع بحث قليل فيما يتعلق بالكتاب ، ولم تكن له كثرة اشتغال بالتأليف . وكانت أوقاته موزّعة مضبوطة يحافظ عليها صيفا وشتاء ، فإذا صلى الفجر اشتغل بالذكر والفكر في الخلوة حتى يتعالى النهار ، ثم يتطوّع ويقبل على الطلبة ، وهم كبار العلماء والمحصّلين ، يدرّسهم في الفقه والحديث والتفسير ، واقتصر في آخر عمره على تدريس الصحاح الستة ، فلما كف بصره ترك التدريس وتوسع في الإرشاد والتحقيق ، وبعد أن ينتهي من التدريس ، يشتغل بكتابة الرسائل والردود ، يجيب المستفتين ، ولما عجز عن الكتابة لنزول الماء في عينيه وكّل كتابة الرسائل وتحرير الفتاوى إلى تلميذه النجيب الشيخ محمد يحيى بن إسماعيل الكاندهلوي ، وكان يحرص على أن ينتهي من كتابة الرسائل والفتاوى في يومها ، فإذا انتهى من الكتابة تغدّى وانصرف يقيل ويستريح ، فإذا صلى الظهر اشتغل بتلاوة القرآن من المصحف ، وبعد ما كفّ بصره كان يتلو حفظا ، ثم اشتغل بالدروس إلى العصر ، وكان يجلس للعامة بين العصر والمغرب ، فإذا صلى المغرب قام يتطوّع ، ثم ينصرف إلى البيت ويكون مع عياله ويتعشى ، فإذا صلى العشاء - وكان يؤخره غالبا - انصرف إلى فراشه ينام ويستريح ، وكان هذا دأبه على مر الأيام . وكان آية باهرة ونعمة ظاهرة في التقوى ، واتباع السنة النبوية ، والعمل بالعزيمة والاستقامة على الشريعة ، ورفض البدع ومحدثات الأمور ومحاربتها بكل طريق ، والحرص على نشر السنة وإعلاء شعائر الإسلام ، والصدع بالحق وبيان الحكم الشرعي ، ثم لا يبالي بما يتقاول فيه الناس ، لا يقبل تحريفا ، ولا يتحمل منكرا ، ولا يعرف المحاباة والمداهنة في الدين ، مع ما طبعه اللّه عليه من التواضع والرفق واللين ، دائرا مع الحق حيث ما دار ، يرجع عن قوله إذا تبين له الصواب ، انتهت إليه الإمامة في العلم والعمل ورئاسة تربية المريدين ، وتزكية النفوس ، والدعاء إلى اللّه ، وإحياء السنة ، وإماتة البدع . وقد رزقه اللّه من التلاميذ والخلفاء ما يندر وجود أمثالهم في هذا العصر في الاستقامة على الدين ، واتباع الشريعة الغراء ، ونشر العلم النافع ، وإحياء السنن وإصلاح المسلمين ، ونفع بهم خلائق لا تحصى بحد وعد . كان الشيخ معتدل القامة ، متناسب الأعضاء ، صدعا في الجسم ، عريض الجبهة ، أزهر الجبين ، أزج الحاجبين ، أنجل العينين في حياء ، مستوي الأنف في شمم ، كث اللحية ، عريض ما بين المنكبين ، له صوت عال في رفق ووضوح ، دائم البشر ، فصيح اللسان ، جميل اللحن ، وكان غاية في ذكاء الحس ، ودقة الشعور ، مقتصدا في حياته متوسطا بين الإفراط والتفريط ، يحب النظافة والأناقة ، طارحا للتكلف ، قد أرسل النفس على سجيتها . ومن كبار خلفائه الشيخ خليل أحمد السهارنفوري ، والشيخ محمود حسن الديوبندي ، والشيخ عبد الرحيم الرائي بوري ، والشيخ حسين أحمد الفيضآبادي ، ومن أشهر تلاميذه الشيخ محمد يحيى الكاندهلوي ، والشيخ ماجد علي المانوي ، والشيخ حسين علي ألواني وآخرون . له مصنفات مختصرة قليلة ، منها : « تصفية القلوب » ، و « إمداد السلوك » و « هداية الشيعة » ، و « زبدة المناسك » و « هداية المعتدي » ، و « سبيل الرشاد » ، و « البراهين القاطعة في الرد على الأنوار الساطعة » للمولوي عبد السميع الرامفوري طبع باسم الشيخ خليل أحمد السهارنفوري ، وبعض رسائل في المسائل الخلافية والرد على البدع ، وقد جمع بعض أصحابه رسائله في مجموعة ، وجمعت فتاواه في ثلاثة مجلدات . وقد جمع تلميذه النجيب الشيخ محمد يحيى بن