يوسف المرعشلي
397
نثر الجواهر والدرر في علماء القرن الرابع عشر
عديدة من أصدقائه العلماء ، وتحصّل على هذا الإذن وبارح تونس سنة 1296 / 1879 ، ومرّ بمصر في طريقه إلى الحرمين الشريفين ، وبعدهما زار سوريا ، ثم سافر إلى إستانبول حيث كان في انتظاره صديقه الصدر الأعظم خير الدين ، وأحسنت الدولة وفادته وعزم أن يقيم بها نهائيا ، لكن الوزير مصطفى بن إسماعيل كتب إلى الباب العالي وطالب بإرجاع المترجم له ، واتهمه باختلاس أموال جميعة الأوقاف وجرده من عناوينه الجامعية ، لكن خير الدين انتصر له ولم يخذله ولم يسلمه . وفي انتظار وصول أسرته إلى إستانبول قام برحلة إلى فيينا وبودابست وبلغراد . وعند رجوعه إلى إستانبول حيكت ضده دسائس لإزالة مكانته عند السلطان ، فقد اتهم بالمشاركة في ثورة عرابي عند مروره بمصر ، واضطر لأجل تجنب الخصومات وإنجاز الجزء الثاني من تأليف « صفوة الاعتبار » إلى مغادرة إستانبول وتوجه إلى مصر ، وفي القاهرة احتفل بقدومه احتفالا حارّا الخديوي والعلماء . وفي مدة إقامته بإستانبول لم ينقطع عن الكتابة والتدوين ، وراعى صحته فتحسنت كثيرا ، وقلّل من استعمال المورفين . ولما استقر بالقاهرة استأنف نشاطه السياسي والثقافي ، وأصدر جريدة « الإعلام » يومية أولا ، ثم في كل ثلاثة أسابيع ، وكان لها دوي بالمشرق والمغرب حتى قال خير الدين : « إن هذه الصحيفة يمكن أن تصبح ( تيمس الشرق الأدنى ) » وصدر من هذه الصحيفة 269 عددا فيما بين سنة 1885 وسنة 1889 . وكانت خطة جريدة « الإعلام » ملاينة الإنجليز ، ولعله ملّ من مقاومة الاستعمار وآثر الراحة والاستقرار . قال فيليب دي طرازي في كتابه « تاريخ الصحافة العربية » : « وكانت خطتها محاسنة الإنجليز والاستفادة منهم ، فانتقد بعضهم عليه هذه الخطة لأنها تخالف ما كان عليه في تونس وأنه هاجر فرارا من الحكم الأجنبي ، فكيف يكلّف المصريين عكس ذلك ؟ ولكن الذين كانوا يرون رأيه يعتذرون بأنه إنما حثّ على محاسنة الإنجليز والاستفادة منهم لأن معاكستهم وأمر البلاد في أيديهم لا يجدي نفعا ، وأن مفاجأة الفرنسيين أوجدت أسبابا ساعدتهم على ضمّ تونس إلى بلادهم ، وقد التجأ إلى انتهاج هذا المسلك أيضا ما قاساه من ظلم الحكم الاستبدادي في تونس ، وما آنسه من العوامل المحركة في مصر بإغراء بعض الأجانب الذين يوغرون صدور الناس على حكامهم مما يعود بالضرر » . ومن المعروف أن خطة ملاينة الاستعمار ومحاولة الالتقاء معه في نصف الطريق والرضا بما يجود به من إصلاحات كانت مسلك بعض المشتغلين بالسياسة في العالم العربي بقسميه الشرقي والغربي ، وقد أثبتت الأيام عدم صحة هذا المسلك وأن الطريق القويم هو المجاهرة بالمطالب القومية ، وعدم المبالاة بغضب الاستعمار وبطشه ، والتنظيم الجماهيري ، وبفضل هذه السياسة القومية القوية انحسر الاستعمار عن العالم العربي . وفي سنة 1887 عطّل وقتيا صدور جريدة « الإعلام » للسفر إلى معرض باريس ، وزار لندرة وفلورنسة بإيطاليا لملاقاة صديقه الجنرال حسين ، وعند رجوعه إلى القاهرة أسندت إليه مهمة تكوين جمعية الأوقاف ، كما سمي قاضيا بمحكمة القاهرة الابتدائية ، وكثيرا ما كلفته وزارة العدل كتابة ملاحظاته عن القضاء الشرعي ، لأنه كان واسع الاطلاع فيه . توفي بحلوان في 25 ربيع الثاني 18 كانون الأول ( ديسمبر ) ، مساء الأربعاء ، ودفن بالقاهرة قرب ضريح الإمام الشافعي . مؤلفاته : بيّن جرجي زيدان مسار الأفكار الإصلاحية في تآليفه فقال : « ويؤخذ من مجملها ( مؤلفاته ) أن صاحب الترجمة كان من محبي الإصلاح ، وتقريب المسلمين من عوامل التمدن الحديث ، وإزالة ما قد يعترضهم من أشباه الموانع الدينية نحو ما كان يفعله الشيخ محمد عبده » . 1 - « تحفة الخواص في حل صيد بندق الرصاص » . قال فيها : « قد تقرر في الناس منذ أزمان ، غير أنه لما كان من المستحدثات بعد الصدر الأول