يوسف المرعشلي

362

نثر الجواهر والدرر في علماء القرن الرابع عشر

وعبد اللّه الراشدي ، والخطاط حسين بغجاتي . وكان الشيخ علي أوكل إليه قبل هاتين المدرستين إدارة مدرسة « الريحانية » بزقاق المحكمة قرب سوق الخياطين ، فقام بها على خير وجه . كما أوكل إليه تأسيس المعهد الشرعي في جامع تنكز بعد ما استولت عليه الجمعية الغراء ، وكان مقرا للجنود الفرنسيين « 1 » . تفقّه الشيخ حسن أولا على مذهب الإمام أبي حنيفة ، ثم على مذهب الإمام الشافعي ، ورسخت معرفته بسائر العلوم ، من تفسير وحديث وسيرة وعلوم العربية وتوحيد وتربية ومنطق وفلسفة ، وألمّ بعلم الهيئة والنبات ، واطلع على علوم الطب ، كما اتصل بالمعلومات العصرية والسياسية والاجتماعية . ورزق مع علومه ذهنا حافظا مستوعبا ، يسعفه حين اللزوم ، جمع إليه دأبا عجيبا ، وكان ربما سهر الليلة الكاملة يقرأ في كتاب أو ينظر في بحث ، ثم يتحدث عنه بعد الفجر حديثا ، يغني سامعه عن العودة إليه . وفي الوقت الذي كان يطلب فيه العلم أخذ يعقد حلقات التعليم والتوجيه ، فيجمع الطلاب في مساجد متفرقة كجامع منجك وجامع باب المصلى وجامع السنانية وجامع السادات والتكية السليمانية وغيرها . وكانت له حلقات في الجامع الأموي في شهر رمضان . وكان الشيخ شغوفا بالتدريس وبذل العلم . درّس العلوم على اختلافها ، وبقي في حلقاته وعطائه حتى آخر حياته ، لم ينقطع عن الإفادة ، وكان يتفقد طلابه إذا غابوا ، ويكرمهم إذا حضروا ، ويعاملهم معاملة الأب الحنون . تولى الخطابة ، واستمر فيها أكثر من أربعين سنة ، فكان خطيبا من الطراز الأول ، يجري في خطبته على الأسلوب التربوي ، الذي تتخلّله قصص الصحابة والعلماء العاملين بشكل يرهف المشاعر ، ويستدرّ الدموع ، فيستأثر بالسامعين ، لأن كلماته تدخل القلوب فتملكها ، ولهذا غدا جامعه جامع منجك أحد المساجد المقصودة المعمورة . ولم يكن في خطبته منفعلا ولا سريع التأثر ، بل كان يحب أن يكون فاعلا بالأحداث التي تجري حوله . وكان فصيح اللسان ، سليم اللغة ، رفيع الأدب ، جمع بين عمق التفكير وسهولة التعبير ، يصرف العقول كما يريد ، فكان كأنه يغرف من بحر . ولما قامت الثورة السورية خرج مع الثوار ، ورافق الشيخ محمدا الأشمر ، وانضم معه جماعة من طلاب الشيخ علي الدقر وغيرهم مثل الشيخ خير غزال ومحمد الفحل وعلي الطباع ، وكان يحمل السلاح متنقلا من مسجد إلى مسجد ومن حي إلى حي يقاتل المستعمر الفرنسي . يتردّد بين دمشق وغوطتها . ثم التجأ إلى الأردن مع بعض الثوار عندما ضعفت شوكة الثورة ، وبقي هناك سنتين تقريبا ، وكان يقوم بواجبه في التعليم والتوعية والإرشاد ويجبي المال من تجار الأردن لرفد الثوار بدمشق ، وبقي كذلك إلى أن رجع إلى دمشق ، حينما هدأت الثورة . استقر بدمشق معلما ومتعلما ، يواظب على التدريس ، ويصحب طلابه إلى حلقات شيوخه ، ويزورهم في منازلهم . كما شارك بالتدريس في الجمعية الغرّاء . وأقام حلقات خاصة في بيته وفي جامع منجك . ولما أراد الفرنسيون فرض قانون الطوائف وقف مع من وقف من علماء دمشق الوقفة الصامدة حتى تراجعت فرنسا عنه « 2 » ، وعندما أرادت فرنسا إقرار القانون خرج الشيخ حسن مع الشيخ محمد الأشمر ووجهاء الميدان وعلمائه ، واحتشدوا في تظاهرة امتدت من محلة السويقة حتى آخر حي الميدان . ولما مرّ المفوض السامي في طريقه إلى درعا ورأى الحشد عجب ، وسأل عن أسبابه ، فلما عرف ما يريدون رجع من فوره إلى دمشق ، واتصل بالحكومة الفرنسية ، يخبرها الأمر فأمرته بإلغاء القانون . وكان الهتاف في أثناء الحشد : ديننا لا نبتغي به بدلا . أسّس الشيخ جمعية التوجيه الإسلامي ، التي أخذت على عاتقها نشر العلوم الإسلامية وتخريج الدعاة من

--> ( 1 ) كان تدبير الاستيلاء على المعهد بإشراف الشيخ بدر الدين الحسني . وقد جهز طلاب الشيخ علي أنفسهم في يوم انشغل فيه الجنود الفرنسيون في تدريباتهم خارج دمشق ، وفرغت الثكنة خلف جامع تنكز ، فأخذ كل طالب متاعه ، واحتلوا البناء ، وكانوا من قبل متفرقين في المساجد . ولما رجع الفرنسيون ورأوا ما جرى وجدوا أنفسهم تحت الأمر الواقع ، وخافوا من الصدامات والقلاقل التي ستحدث من جراء طردهم للطلاب ، مما لا يحمد عقباه ، فانصرفوا عن الثكنة ونزلوا عنها . ( 2 ) انظر ملابسات هذا القانون والاعتراض عليه في ترجمة الشيخ محمد كامل القصاب ( ت 1373 ) .