يوسف المرعشلي

323

نثر الجواهر والدرر في علماء القرن الرابع عشر

فعيّنه وزيرا للأمور الدينية ، والأوقاف الإسلامية ، وخصه بالتكريم ، واستقام على هذا المنصب الخطير نحو ثلاث عشرة سنة ، مع عفة ونزاهة وعزة نفس ، واجتهاد في خدمة العباد والبلاد ، وإعانة على المصالح الإسلامية والمشاريع الخيرية ، متمتعا بثقة صاحب الأمر ، وثناء أهل العلم والدين ، كان له سهم وافر في تأسيس الجامعة العثمانية في « حيدرآباد » ، التي قررت تدريس العلوم والفنون في لغة « أردو » لأول مرة ، وفي تكوين قسم الدراسات الدينية في هذه الجامعة ، الذي كانت له فائدة كبيرة في تخريج الشباب الجامعين بين العلوم الدينية والعلوم المدنية ، حتى اعتزل عنه وأحيل إلى المعاش حوالي سنة ثمان وأربعين وثلاث مئة وألف ، ولزم بيته محفوفا بالكرامة ، منقطعا إلى مطالعة الكتب ، وجمع النفائس منها ، متوفرا على خدمة المراكز الدينية والجهود التعليمية ، مشغولا بالذكر وأنواع العبادات . وقد وفّقه اللّه للحج سنة أربع وأربعين وثلاث مئة وألف ، فسافر إلى الحجاز على قدم صدق وإخلاص ، لا يصرف وقتا ولا همة في غير مقاصد الحج وعباداته ، وزار مدينة الرسول صلى اللّه عليه وسلم ، واستفاد من مكتباتها وعلمائها . وكانت له عناية كبيرة بندوة العلماء من أول عهد قيامها إلى آخر يوم من أيام حياته ، فكان عضوا تأسيسيا في لجنتها في أول يوم ، واختير ثلاث مرات رئيسا لحفلاتها السنوية ، وكان من أبرز أعضائها العاملين ، شديد الاقتناع بمبادئها التعليمية والإصلاحية ، ولما صدرت مجلة « الندوة » سنة اثنتين وعشرين وثلاث مئة وألف كلسان حال ندوة العلماء اختير العلامة شبلي بن حبيب اللّه النعماني والشيخ حبيب الرحمن الشرواني مديري التحرير للمجلة ، وحازت إعجاب أهل العلم والأدب بمقالاتها التحقيقية ، وأفكارها السليمة الراجحة ، وكذلك كانت له صلة متينة قديمة بالكلية الإسلامية في « علي كره » إلى أن أصبحت الجامعة الإسلامية الشهيرة ، فظل رئيسا ( فخريا ) لقسم الدراسات الدينية فيها مدة طويلة ، ومنحته الجامعة الدكتوراه ( الفخرية ) في أصول الدين لست خلون من صفر سنة اثنتين وستين وثلاث مئة وألف ، اعترافا بعلو منزلته وحسن خدمته للعلم والدين ، وكان له اتصال دائم بالمجامع العلمية والمراكز الثقافية في الهند ، يشترك في لجانها ، ويرأس حفلاتها ، فكان الرئيس الدائم لدار المصنفين في « أعظم كره » ، والأمين العالم للمؤتمر التعليمي الإسلامي في علي كره ، واختير مرارا رئيسا للمؤتمرات الأدبية وألقى فيها خطبا ومحاضرات نالت الإعجاب والتقدير . وكان من أصحاب الأساليب الأدبية في « أردو » وكاتبا مترسّلا بليغا ، يمتاز إنشاؤه بالحلاوة والطلاوة ، والانسجام والرشاقة ، والبعد عن التكلف والصناعة ، ورسائله ومكاتيبه أنموذج للإنشاء البليغ ، تفيض بالحياة ، وتسيل رقة وعذوبة ، هي أشبه بالحديث منها بالكتابة ، وكان خطيبا مصقعا ، يؤثر في الناس ، وشاعرا مطبوعا في اللغة الفارسية ، ناقدا جهبذا للشعر الفارسي والأردي وأدبهما ، مؤرّخا واسع الاطلاع ، كثير المطالعة ، مؤلفا بارعا ، يلوح على كتاباته أثر القبول . وبالجملة كان من نوادر العصر ومحاسن الدهر ، في الجمع بين الفضائل المتشتتة ، والمحاسن المتنوعة ، دين متين لا مغمز فيه وهمة عالية لا قصور فيها ، وذوق أصيل في الأدب والشعر لا تكلف فيه ، سلامة ذهن وحصافة رأي ؛ وقوة إرادة وحسن إدارة ، وحلاوة منطق ونزاهة لسان ، قد جمع بين الرئاستين وفاز بالحسنيين . كان شديد الغرام بجمع الكتب النادرة ، وآثار السلف من مخطوطات وتوقيعات وغير ذلك ، ينفق فيها المال الجزيل ، وقد جمع مكتبة تحوي العدد الكبير من الكتب المخطوطة النادرة ، وكان يقضي فيها وقتا طويلا ، هو من أحب أوقاته إليه ، ووضع لها فهارس بنفسه وخطه ، وقد ضمت هذه المكتبة إلى مكتبة جامعة علي كراه الإسلامية ، وخصّص لها جناح خاص باسمه . وكان شديد الحب لشيخه سيدنا فضل الرحمن الگنج مرادآبادي ، لا يفتأ عن ذكره ، وكذلك كان شديد الإعجاب بأستاذه مولانا لطف اللّه الكوئلي ، وكلما ذكرهما جاشت نفسه ، وتفتّقت قريحته ، وأرسل النفس على سجيتها . كان فارع القامة ، أبيض اللون والبشرة ، حسن الهندام والهيئة ، جميل الملبس والبشارة ، كأنه من بقايا