يوسف المرعشلي

242

نثر الجواهر والدرر في علماء القرن الرابع عشر

ولم يكن لعمه صالح أولاد فوجّه كل عنايته إلى ابن أخيه المترجم الذي لم يفقد شيئا من عناية أبيه . وفي سنة 1285 / 1868 انخرط في سلك تلامذة جامع الزيتونة ، وأهم مشايخه الذين لازمهم حتى انتفع بهم : شيخ الجماعة سالم بوحاجب ، والشاذلي بن القاضي ، ومحمد بيرم ، ومصطفى رضوان وغيرهم ، ومن أقرانه الشيخ محمد بن يوسف ، وعلي الشنوفي ، وحمودة وعبد العزيز تاج ، تخرّج عليه غالب مشايخ جامع الزيتونة ورجال الدولة منهم محمد بن القاضي القاضي الحنفي ، وإبراهيم المارغني المفتي المالكي ، وممن حضر دروسه في الآستانة الوزير الطاهر خير الدين وأمثاله . أحرز على شهادة التطويع سنة 1297 / 1879 ، فبدأ بالتدريس في جامع الزيتونة متطوعا ، مستمرا على الحضور بدروس شيوخه ، إلى أن أتمّ قراءة الكتب التي شرع في دراستها عليهم . وكان قبل ذلك قد صدر له أمر في مباشرة الإشهاد بتاريخ 29 ربيع الأنور فلم يشغله ذلك عن المثابرة في طلب العلم . وفي سنة 1298 / 1880 عيّن للنيابة عمن يعرض له عذر في التخلف عن التدريس من أساتذة المدرسة الصادقية ، فأظهر من الاستقامة في عمله ما أوجب تعيينه بالأصالة في سنة 1309 / 1890 . وقد كان عيّن قبل ذلك شاهدا على أوقاف الديوان ( المحكمة الشرعية العليا ) في سنة 1302 / 1884 ، ثم اجتاز بنجاح مناظرة التدريس من الطبقة الثانية بجامع الزيتونة وذلك في نفس السنة : واختاره المستشرق مدير المعارف مشويل لإدارة المدرسة العصفورية التي أنشأها لتخريج المؤدبين ( المعلمين ) ، وصدر له أمر بذلك في 10 رجب سنة 1312 / 1893 ، فأبان في إدارته عن كفاءة ومقدرة ، وفي السنة بعدها أحرز على الطبقة الأولى من التدريس بجامع الزيتونة . وهو في جميع وظائفه اعتناء زائد وكفاءة بحيث كان أكبر من الوظيف الذي يعهد إليه ، مما جعل الحكومة ترفعه إلى مقام أعلى فصدر له الأمر بولاية القضاء الحنفي في غرة صفر سنة 1315 / 1896 رغما عن كونه لم يتجاوز العامين في الطبقة الأولى ، بينما جرت العادة بالاختيار من قدماء المدرّسين . وسافر إلى الحج في أواخر شعبان سنة 1324 / 1905 بعد أن رخصت له الحكومة في التخلف عاما عن مباشرة وظيفته ، وقصد الشام حيث عاقته عن الحج أمور عائلية بحتة ، ومن هناك أرسل استقالته إلى تونس ، وتوجّه إلى الآستانة حيث نوى العزلة والانقطاع عن الدنيا وانتظار الأجل . ووظّفته الحكومة التركية وظائف علمية لما رأت له من المقدرة النادرة في البيان ، فعيّن مدرسا بمدرسة الخطباء التي أنشئت لتخريج خطباء حقيقيين يقومون بوظيفة الخطابة الشرعية والإرشاد ، ورغما عن كون هذه المادة لم تكن فيها مؤلفات من قبل مع عدم انضباطها بقواعد ، ولم يعتن بها السابقون ، فقد اجتهد المترجم في حصر مباحثها وتقريرها بصورة دراسية ، وبعد أن أشبع ابنه الشيخ محمد بفكرته ، أمره بكتابة كتاب في المادة أطلق عليه اسم « الفصول المستطابة في أصول الخطابة » فجاء كتابا حافلا بالمباحث الفنية ، وتعيّن مع ذلك مدرسا للحديث الشريف بجامع أم السلطان بالآستانة ، فعمل جهده في تفهيم العامة مغازي كلمة صلى اللّه عليه وسلم ولم يترك الزي التونسي في الآستانة . مات في ربيع الأول عام 1337 بعد هدنة الحرب العالمية الأولى بقليل ، تاركا ما تركه بتونس من الذكر الجميل ، وترك هناك ابنه المفرد الشيخ محمد ، فولّي بعده مدرّسا بمدرسة الخطباء ، ومدرّسا للحديث الشريف بجامع أم السلطان . من تأليفه « إيقاظ الإخوان لدسائس الأعداء وما يقتضيه حال الزمان » ، ذكر فيه حقيقة الملك وأصنافه ، ومعنى الخلافة والإمامة ، ( ط ) . بإستانبول مط . عسكرية سنة 1333 ه . إسماعيل الرانديري « * » ( 000 - 1330 ه ) الشيخ العالم الصالح : إسماعيل بن حافظ محمد بن حافظ صالح الحنفي الرانديري ، أحد العلماء العاملين .

--> ( * ) « الإعلام بما في تاريخ الهند من الأعلام » لأبي الحسن الندوي ص : 1187 .