يوسف المرعشلي
226
نثر الجواهر والدرر في علماء القرن الرابع عشر
المظاهرات تعبيرا عن عدم الرضا بسياستها الملتوية الماكرة المستهينة بحقوق الشعب ، ورجال المحكمة الشرعية بالعاصمة وقفوا موقفا متخاذلا ضعيفا هو أقرب إلى تأييد التجنيس خوفا على مناصبهم وأشخاصهم ، ولا مجال للرد عليهم ، ولكنها كلمة عابرة لتوضيح موقف الشيخ إدريس في هذا الظرف المكفهر ، وشجاعته الأدبية بحيث لم يخش الاستعمار وهو في عنفوان شراسته وبطشه ، واستقامة ضميره الديني وخوفه من ربه بحيث لم يداهن ولم يجامل ، وكفاه مثل هذا شرفا وفخرا وطيب ذكرى . نص السؤال : هل يغسّل ويصلّى على المتجنّس إذا مات ؟ وهل يدفن في مقابر المسلمين أم لا ؟ فأجاب المترجم على هذا السؤال بما يلي : جاء في « أحكام غسل الميت والصلاة عليه في أقرب المسالك » للعلامة سيدي أحمد الدردير وحاشية الشيخ سيدي أحمد الصاوي عليه حيث قال : وحرما أي الغسل والصلاة على الكافر وإن صغيرا ارتد لأن ردة الصغير معتبرة قبلها المحشي المذكور بقوله : حيث كان يميز وإلا فلا تعتبر ردته بالإجماع ، وأما الدفن في مقبرة المسلمين فإنه مثل الصلاة والغسل إلا إذا اختلط بالمسلمين ولم يتميز منهم فإنه يغسّل ويصلّى عليه ويدفن في مقبرة المسلمين ، وكذا المتجنّس لا يرث المسلم ولا يورث لقول صاحب الرحبية : في رق وقتل واختلاف دين * فافهم فليس الشك كاليقين فإن قيل لا علاقة بين الدين والجنسية ؟ والجواب أن المتجنّس لم يقصد خصوص الجنسية من أنه عربي أو إفرنجي ، وإنما دعواه أن تجري عليه أحكام الجنس الذي دخل فيه ونبذه لجنسيته ودينه وعدم إجراء الأحكام الشرعية عليه التي كان متمسكا بها وتجري عليه غيرها برضا منه وحينئذ لا دين له . فإن قيل هل تقبل توبة المتجنّس ؟ انظر : « أقرب المسالك » باب ما جاء في الردة وأحكامها وغيره من كتب الدين ، وانظر في تفسير قوله تعالى : وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاؤُكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً [ النساء : 64 ] . وإنما أفتيت بذلك لقوله تعالى : فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ [ المائدة : 44 ] . وقوله تعالى : وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ ( 41 ) وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْباطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ [ البقرة : 41 ، 42 ] ، وقوله صلى اللّه عليه وسلم : « من سئل على علم نافع فكتمه ألجم يوم القيامة بلجام من نار » . انتهى من إدريس بن محفوظ الشريف في رمضان 1351 الموافق 31 كانون الأول ( ديسمبر ) سنة 1932 . قال الأستاذ رشيد الذوادي : « وبهذه الفتوى ارتفع نجم الشيخ إدريس عاليا ، وقد تعزّز جانبه بوقوف الشعب بجانبه ، وقد ذاع صيت هذه الفتوى وعلقت عليها حتى الصحف العربية في الشرقين الأوسط والأقصى » . وكانت هذه الفتوى غذاء لنفوس الشعب خارج مدينة بنزرت في أنحاء الجمهورية وبعثت فيهم ثباتا وتصميما في مقاومة فتنة التجنيس . وكان له ذوق فني ومعرفة بطبوع الألحان الموسيقية ، وله الفضل الأكبر في نجاح الفنان البنزرتي معلم الرشيدية خميس ترنان ، فقد كان يصحح له القصائد ويختار له جيدها ، ويستمع له وينشطه . وفي السنوات الأخيرة من حياته دفعه دينه ووطنيته للتشهير بانعقاد المؤتمر الأفخارستي بتونس من القساوسة والرهبان المسيحيين بتأييد من السلطة الاستعمارية ، وخاب ظنهم في إعادة السكان إلى حضيرة المسيحية كما كانت في عهد الرومان ، وكان انعقاد هذا المؤتمر المتحدي الفاشل فيما بين 11 - 17 ماي ( أيار ) 1930 . وله شعر اتباعي تقليدي في الأغراض المطروقة في الشعر العربي كالمدح والرثاء والهجاء والوطنية ، وله قصائد عديدة في أبطال الإسلام كعمر وعلي وخالد بن الوليد وأبي زمعة البلوي ، وصلاح الدين الأيوبي لبعث النخوة والثقة في النفوس ، وهذا الحنين إلى الماضي المشرق مبعثه حاضر غائم مظلم الأفق يثير اليأس في النفوس إن لم تستنجد بالماضي وتستلهم منه الذكرى والعبرة ، وقد نشرت له الصحف التونسية الصادرة في