يوسف المرعشلي

191

نثر الجواهر والدرر في علماء القرن الرابع عشر

فيه عاما ، ثم التحق بمكتب آخر في سوق الجمعة بالصالحية ، فمكث فيه ثلاثة أعوام . ولم يكن هذان المكتبان - شأن غيرهما - يعنيان إلا بالقرآن الكريم . ولما بلغ الثانية عشرة من عمره أخذ يتعلم صناعة قطع الحجارة ، وعمل نحاتا وحجارا لسنوات طويلة في جبل قاسيون ، بالإضافة إلى عنايته بالدرس والبحث ، ومحافظته على تلاوة القرآن الكريم والطاعات ، مشددا على أمراض الظاهر والباطن ، ومؤمنا أن رضا اللّه ينحصر في الأعمال الصالحة ، وأن رأس الأمراض الباطنة اعتقال القلب وأسره بغير اللّه ، ولذا فالشفاء يكون بأن ينسى الإنسان غير اللّه تماما . بعد هذا بدأ حياته الصوفية ، جاعلا علامته مع اللّه عز وجل ، ناظرا إلى كل أمر من أموره بعيني الشريعة والحقيقة قائلا : « إن الشريعة بؤبؤة العين ، وإن الحقيقة نورها ، ولا سبيل للعين أن ترى بدون نور » . وفي سنة 1917 م طلب إلى الجندية ، فسافر إلى حلب أولا ، وهناك أخذ يرشد الجنود ويؤمّهم ، ويدعوهم إلى الخير ، فصاروا ينادونه في الثكنة : « خوجة أفندي » ، ويستمتعون بتلاوته وإنشاده لقصائد الشيخ محيي الدين بن عربي ، والشيخ أحمد رزوق المغربي ، والشيخ عبد الغني النابلسي . ثم تحرك مع الجنود إلى فلسطين ليحارب أعداء الدولة العثمانية ، وقد أبلى في الحرب ، وكان يخوض المعارك أثناء الدوريات ويعود بالغنائم ، حتى وصل خبره للقائد الذي أعجب به كل الإعجاب . . لما انتهت خدمته العسكرية عاد إلى العمل بصناعته حجّارا نحّاتا ، يصنع البحرات والأجران ، وما لبث في سنة 1346 ه أن تزوج وعمل على خدمة أسرته وصيانتها . وبعد الحرب العالمية الأولى اتصل بالعلماء والصالحين كالشيخ أمين التكريتي ، والشيخ أمين الخربوطلي ، والشيخ عبد المحسن التغلبي ، والشيخ أمين كفتارو ، والشيخ توفيق الأيوبي ، والمحدث الشيخ بدر الدين الحسني ، والشيخ عبد المحسن الأسطواني ، والشيخ إبراهيم الغلاييني ، والمحدث الشيخ محمد بن جعفر الكتاني ، والشيخ محمد الهاشمي ، والشيخ أمين سويد ، والشيخ محمود أبي الشامات ، وغيرهم . وفي العقد الرابع من حياته اتصل بعلماء آخرين منهم المفتي الشيخ محمد شكري الأسطواني ، وقاضي دمشق الشيخ عزيز الخاني ، والمفتي الشيخ محمد عطا الكسم ، والشيخ أمين الزملكاني ، والشيخ عبد اللّه المنجد ، والشيخ هاشم الخطيب ، والشيخ عبد الرحمن الخطيب ، والشيخ توفيق الهبري ، وغيرهم . وكان يشارك الثوار الوطنيين جهادهم ضد الاستعمار الفرنسي ، وأمد الثورة بالمال كذلك ، وكانت له مواقف مأثورة حينما أسهم مع رفاقه في القتال ضد القوات الفرنسية التي أرادت عبور جسر نهر تورا ، وصمد ولم ينهزم ، رغم أنه أصيب في ساعده . ولم يكفه اشتراكه بقتال الغوطة ، بل كان يشارك في القتال على طريق دمشق القادم من لبنان ليقطع الإمدادات التي تأتي للفرنسيين ، وقد استطاع مرة مع أبناء عكاش نسف الخط الحديدي بين دمّر والفيجة . وكان يمدّ الثوار بالسلاح . لم ينقطع عن عمله في الحجارة والأجران إلا في السنوات العشر الأخيرة . انصرف لمطالعة الكتب الدينية والكونية في خلواته بعد أن تعلم القراءة والكتابة عندما تقدمت به السن ، وكان يجمع منها ويؤلف ، فترك كتبا في التشريح والفلك والذرّة ، وعلم طبقات الأرض والنبات والطرائف والكهرباء وغير ذلك من كتب كثيرة ، وكان خطه صعب القراءة فقام مريدوه بتبييض مؤلفاته ، وإعادة كتابتها كالأستاذ صلاح المنجد ، والأستاذ محمود غراب ، والأستاذ محمد الحمصي . وتتميز كتابته بالدقة العلمية ، وتفهم أسرار الشريعة والحقيقة ، إضافة إلى التحليل الدقيق بلغة سهلة مفهومة وكان يمانع في نشرها بحياته . لم يعقد حلقات علمية كما يفعل العلماء ، وإنما كانت له جلسات في دور إخوانه ومريديه متنقلة ، يقرؤون بها كتبا من مثل « زاد المعاد » و « الرسالة القشيرية » ، و « الحلية » ، و « رياض الصالحين » ، و « إحياء علوم الدين » ، و « الشفا » ، وغير ذلك . وكان المعيد الذي يقرأ في الدرس الأستاذ عبد الغني الباجقني . له في العلوم حجة عظيمة ، لم يخرج من جولاته العلمية إلا منتصرا ، ولم تقهر حجته مع عالم في