يوسف المرعشلي

188

نثر الجواهر والدرر في علماء القرن الرابع عشر

الدراسة والمطالعة ، وكان محافظا على وصايا والده روحا ونصّا . وينتقي للتدريس في المعهد خيرة المدرسين المخلصين . ومن أشهرهم : الشيخ عبد الوهاب دبس وزيت ، والشيخ أحمد الصابوني ، والشيخ عبد الرحمن الزعبي ، والشيخ محمد الخطيب ( أبو كامل ) ، والشيخ محمد السيد ، والشيخ خالد الجباوي ، والشيخ نايف العباس ، وغيرهم ممن ارتفع بجهدهم هذا الصرح العلمي الشامخ . انتخب إلى جانب عمله في الجمعية وفي المعهد عضوا في مجلس أوقاف دمشق « 1 » لخمس دورات متعاقبة ممثلا عن العلماء : فعمل فيه قرابة عشرين سنة خدم خلالها المساجد : فاختار لها الأئمة والخطباء ، وزوّدها بالعناصر الصالحة من العلماء المدرسين . وانتخب كذلك عضوا في المجلس الإسلامي الأعلى « 2 » ممثلا لمحافظة مدينة دمشق . ثم اختير عضوا كذلك في مجلس الإفتاء الأعلى . لم تصرفه هذه الأعباء والمشاغل عن واجبه في المسجد ؛ فكان حريصا على صلاة الفجر مع الجماعة ، يقرأ بعدها دروسا في الفقه والحديث والأخلاق والتصوف ، معتمدا على كتب الترغيب والترهيب ، وإحياء علوم الدين ، وحاشية الباجوري ، والرسالة القشيرية . كما كانت له حلقة متنقلة في بيوت إخوانه وتلامذته . وإلى جانب ذلك كان يشرف على مزرعته التي ورثها عن والده في أرض المزة ، ويتعهد أمرها في أوقات فراغه ، حتى غدت له أنسا وسلوة ، وخاصة عندما تتجهم له الأيام . حجّ مرتين ، واعتمر قبل مرضه ، وقصد بيت المقدس ، كما زار مصر عام 1375 ه بدعوة من شيخ الأزهر . كان صاحب الترجمة على غاية من الأدب والتواضع والوفاء ، ذكيا عاقلا ، ذا رأي وفهم ، طيب المعاملة ، لطيف العشرة ، مستقيما في أعماله كلها ، غيورا على الشرع ، يقرن القول بالعمل ، ويغضب إذا انتهكت الحرمات ، يكره الوقوف على الأبواب ، لا يداري ولا يماري بل يقول رأيه بصراحة وصدق ، وكان مربيا يؤدب أهله وولده وتلاميذه على الخلق والدين ، ويغرس في قلوبهم خشية اللّه تعالى بالحكمة والموعظة الحسنة ، فيحبب إليهم القرآن الكريم ويعودهم الاشتغال به ، ومطالعة كتب السنة ، ويهتم بتعليم النحو . كان مقصودا عند مهمات الأمور ، يلتقي بالعلماء الذين يزورون دمشق ، ويتذاكر معهم شؤون المسلمين وقضايا الإسلام . مرض في الخامسة والخمسين من عمره ، وأنهكه المرض حتى أوهن جسمه ، وأقعده خلال خمسة عشر عاما ؛ فصبر واحتسب ، وتلقى البلاء بنفس راضية مطمئنة ، وكان يستقبل إخوانه وتلاميذه وزواره في عيادتهم له بالأنس والبشاشة ، فلا تفارق البسمة محياه ، ولم يكونوا يسمعون منه إلا الحمد للّه ، والثناء عليه بما هو أهله ، وبقي راضيا عن اللّه يمضي أوقاته بالذكر ، وتلاوة القرآن الكريم ، ودروس العلم في بيته حتى وافاه الأجل . توفي ليلة الاثنين سنة 1397 ه / 15 كانون الثاني سنة 1977 م ، بعد أن انفضّ عنه إخوانه من درس قرؤوا فيه شرح صحيح مسلم للإمام النووي بعد صلاة العشاء . وفي اليوم التالي شيّعت جنازته جموع العلماء ، وطلاب العلم والمحبين ، وصلى عليه مرتين : مرة في داره بحي المهاجرين ، ومرة أخرى في جامع السنانية بعد صلاة الظهر ، ودفن في مقبرة الباب الصغير . وتكلم عند قبره جماعة من فضلاء أهل العلم .

--> ( 1 ) مجلس أوقاف دمشق : يتألف من خمسة أعضاء يمثل كل واحد منهم قطاعا يمسّ الأوقاف ؛ وهي قطاعات العلماء ، والتجار ، والمهندسين ، والمحامين ، والملاكين . وهم يجتمعون برئاسة المفتي العام وبحضور مدير الأوقاف . وقد ألغيت الآن تلك المجالس ، وأسند أمر الوقف إلى مديري الأوقاف في المحافظات . ( 2 ) المجلس الإسلامي الأعلى : يتألف من المفتين في جميع المحافظات إضافة إلى ممثل عن كل محافظة ينتخب من بين علمائها ، ويجتمع المجلس مرتين كل عام برئاسة وزير الأوقاف وتعرض عليه الأمور الهامة المتعلقة بالأوقاف ، ويفتتح الجلسة الأولى غالبا رئيس الدولة ، وقد استعيض عنه حاليا بلجنة وقفية .