يوسف المرعشلي

161

نثر الجواهر والدرر في علماء القرن الرابع عشر

الأول عليه ، وهذه قاعدة مطردة في كل من يفوق أهل عصره في أمر . وهو ما بلغ رتبة العلماء ، بل قصارى أمره ادلاجه في الفضلاء ، وهو ما أتقن فنا ، وتصانيفه شاهدة بما قلته ، فإن رأيت مصنفاته علمت أنه كان كبير العقل ، قليل العلم ، ومع ذلك كان سامحه اللّه تعالى قليل العمل ، لا يصلي ولا يصوم غالبا . وشأنه عجيب كل العجب ، فإنه كان في بداية أمره على مذهب المشايخ النقشبندية ، لأنه نشأ فيهم ، وكان والده محد المتقي من أصحاب الشيخ غلام علي الدهلوي ، وأمه عزيز النساء بنت فريد الدين الكشميري الوزير كانت بايعت السيد الإمام المجاهد السيد أحمد الشهيد السعيد البريلوي ، فصنف الرسائل في إثبات الرابطة وتصور الشيخ ، وفي إثبات عمل المولد ، وكان الناس يبدعونه في ذلك الحال ، ثم رغب إلى طائفة السيد الإمام ومختاراته ، وصنف الرسائل في الانتصار له ، فنسبه الناس إلى الوهابية ، ثم ارتقي إلى ذورة التحقيق والاجتهاد في المذهب ، وصدرت منه الأقاويل في تفسير القرآن الكريم ، وفي تهذيب الأخلاق ، فكفّره الناس ، وبعضهم بدّعوه ، ونسبوه إلى نيچر ، وهي كلمة إنجليزية ، معناه الفطرة ، لقوله : الإسلام هو الفطرة ، والفطرة هي الإسلام . وكان مولده في خامس ذي الحجة سنة اثنتين وثلاثين ومئتين بعد الألف بدهلي ، وتربى في حجر أمه وجده لأمه خواجة فريد الدين ، وقرأ النحو والصرف وبعض رسائل المنطق إلى شرح التهذيب لليزدي ، وقرأ شرح هداية الحكمة للميبذي ومختصر المعاني والمطول على علماء بلدته ؛ ثم صرف همته إلى الهيئة والهندسة ، وقرأ تحرير الأقليدس وشرح الچغميني وبعض الرسائل في الآلات الرصدية للبرجندي ، وأعمال الكرة ، وأعمال الإصطرلاب ، وصنعة الإصطرلاب ، والربع المجيب ، والربع المقنطر ، والهلزون ، وجريب الساعة ، وفرجاء التقسيم ، والفرجاء المتناسب كلها على خاله زين العابدين ؛ ثم قرأ القانونچه والموجز ومعالجات السديدي ، وكليات النفيسي ، وشرح الأسباب والعلامات إلى أمراض العين على الحكيم غلام حيدر خان الدهلوي وتطبب عليه برهة من الزمان ، ثم تقرب إلى بعض متوسلي الحكومة الإنكليزية ، وولي التحرير في ديوان الحاكم لإقطاع آگره ، وبعد مدة ولي القضاء لفتحپور سيكري ، فصار ( صدر أمين ) واستقل بالقضاء أربع سنوات ، ولقبه في هذه السنين بهادر شاه بن أكبر شاه بن شاه عالم التيموري « جواد الدولة عارف جنگ » ، ثم نقل من فتحپور إلى دهلي ، وسنحت له فرصة للأخذ والقراءة ، فقرأ القدوري وشرح الوقاية وأصول الشاشي ونور الأنوار وبعض كتب أخرى على مولانا نوازش علي الدهلوي ؛ وقرأ بعض المقامات من مقامات الحريري وبعض القصائد من السبع المعلقات على مولانا فيض الحسن السهارنپوري ، وقرأ « مشكاة المصابيح » وقدرا صالحا من « جامع الترمذي » وبعضا من « صحيح مسلم » على مولانا مخصوص اللّه بن رفيع الدين العمري الدهلوي وأسند عنه للقرآن الكريم . وصنف « آثار الصناديد » كتابا في تاريخ دهلي ، وتجشم الصعوبة في تصنيفه سنة 1264 ه ، فتلقاه الناس بالقبول ، ونقل من دهلي إلى بجنور سنة 1272 ه ، وصنف بها « تاريخ بجنور » ، وجدّ في تصحيح « آئين أكبري » لأبي الفضل بن المبارك الناگوري ، فصححه بمقابلة النسخ العديدة ، وكتب عليه الحواشي المفيدة . وكان في بجنور إذ ثارت الفتنة العظيمة ببلاد الهند وثارت العساكر الإنجليزية على الحكومة سنة 1273 ه ، فقام على ساق لنصرة الحكومة الإنجليزية ، فلما تسلطت الحكومة مرة ثانية رتبت له مئتي ربية شهرية له إلى حياته ، وبعده لولده الكبير حامد أحمد الدهلوي إلى حياته ، وجعلته صدر الصدور ببلدة مرادآباد ، وهو عبارة عن نيابة القاضي في إحدى المتصرفيات ، فسار إلى مراد آباد سنة 1275 ه ، وصنف الرسائل في أسباب الثورة والخروج ، واشتهر أمره في الهند ، وظهر فضله بين أهلها عند الحكومة الإنجليزية ، ثم صنف تفسير الإنجيل وسماه : « تبيين الكلام » ، ولكنه لم يتم ، واجتهد فيه في تقريب دين الإسلام إلى دين النصارى . ثم نقل إلى غازيپور سنة 1279 ه وأنشأ بها مجمعا علميا لنقل الكتب العلمية والتاريخية من اللغة الإفرنجية إلى لغة أهل الهند يسمونها أردو ، وحرض أهل تلك البلدة من المسلمين والهنادك لإنشاء مدرسة