يوسف المرعشلي
151
نثر الجواهر والدرر في علماء القرن الرابع عشر
من جليل القدر وعظم الأثر ، وقد تبوأ مكانة بجدارة بين علماء عصره ، وكان ركنا عظيما تعتمد عليه وزارة المعارف والمجمع اللغوي والهيئات العلمية والأدبية ، وكان موضع الثقة من كثير من العلماء الأعلام ، يراسلونه ويستفتونه في كثير من المسائل التي يشتبه عليهم الأمر فيها ، أو لا يهتدون إلى مصادرها ، وكان في جلسات المجمع الأصلية والفرعية إذا أشكل أمر أو أظلمت مسألة خرج هو على الأعضاء بما يزيل اللبس ويكشف الغموض والإبهام ، وكانوا جميعا يعترفون له بالسبق ويعتبرونه جهيزة تقطع قول كل خطيب . وفي سنة 1911 م سافر إلى مؤتمر المستشرقين في بلاد اليونان ، وقد خطب في موضوع اللغة العربية الفصحى وقلة انتشارها بين الغالبية العظمى من أهل الممالك الإسلامية المختلفة ، وقد اهتم المستشرقون بهذا البحث وناقشوه فيه ، ثم انتهوا إلى قرار صريح بأن اللغة العربية الفصحى هي اللغة التي تصلح للبلاد الإسلامية العربية للتخاطب والكتابة والتآليف ، وكان هذا القرار فوزا بالغا له سرّ به المجمع ، لأنه كان تعزيزا لرأيه ، ضد رأي أرتين باشا وكيل وزارة المعارف إذ ذاك ، وهو نصير اللغة العامية وإحلالها محل اللغة العربية الفصحى . وافته المنية في الساعة الخامسة من مساء الثلاثاء 18 صفر سنة 1357 ه 19 نيسان 1938 م إثر مرض ألزمه الفراش أسبوعين ، وهكذا قضى حلال المشكلات والمرتجى في اللغة للمستعصيات . كان صريحا أبيا ، عذب الحديث ، بارع الجد ، حلو الفكاهة ، سريع الخاطر ، حاضر النكتة ، ظريف التفصيل والجملة ، ميالا إلى العزلة ، يقضي في بيته أياما لا يبرحه . أحمد علي الجونپوري « * » ( 000 - 1310 ه ) الشيخ العالم الصالح : أحمد علي بن كرامة علي الصديقي الجونپوري ، أحد المشايخ النقشبندية . ولد ونشأ بجونپور ، وتفقه على والده وأخذ عنه الطريقة ، وقرأ العلم على الشيخ عبد الحليم بن أمين اللّه اللكهنوي وعلى غيره من العلماء ، وتولى الشياخة بعد ما توفي والده في بنگاله ، وسكن « بچانگام » ، وكان يعتزل في البحر على سفينة ، ورزق من حسن القبول في تلك البلاد ما لم يرزق أحد من المشايخ . وكان شيخا متورعا متواضعا ، حليما جوادا ، كثير العزلة ، كبير المنزلة ، يسأل فيهب كل ما يرزق حتى يهب ثيابه وفرش بيته ، ويأتيه من التحف والهدايا ما لا يحصى بحد وعد فيفرق كل ذلك ، ولا يدخر شيئا من النذور والفتوحات ولو كانت مئات وألوفا ، وسافر إلى الحجاز للحج والزيارة فصرف في ذلك السفر على ما قيل أربعين ألفا من النقود الفضية الإنجليزية . مات سنة ست عشرة وثلاث مئة وألف « بچانگام » فدفن بها . أحمد الزروق الجزائري « * * » ( 1292 - 1375 ه ) العالم الشاعر : أحمد بن علي بن محمد الزروق الجزائري ثم الدمشقي . ولد في صالحية دمشق بحي أبي جرش سنة 1292 ه . ويرجع أصل أسرته الجزائرية إلى جبال « زواوا » . وتنحدر من عشيرة بني راسن ، التي قاتلت الفرنسيين مع الأمير عبد القادر الجزائري ، ثم هاجر جدّه إلى دمشق . مات والده وهو صغير في السادسة من عمره ، فكفله خاله الشيخ محمد المبارك الكبير ، الذي تلقى عنه قواعد العربية والعلوم الشرعية ، وقضى حياته في كنف آل المبارك ، وعلى أيديهم ترعرع . درس على علماء عصره ، وحفظ الموشحات والقدود الصوفية المعروفة لابن الفارض والنابلسي واليافي وغيرهم . وهب صوتا شجيا مطربا ، وإنشادا بديعا ، وروى الذين عاشروه وسمعوا صوته عدة حوادث عن نزول البلابل والطيور من أعشاشها ، والاقتراب منه لشدة طربها وتأثرها .
--> ( * ) « الإعلام بما في تاريخ الهند من الأعلام » لأبي الحسن الندوي ص : 1182 . ( * * ) « أعلام الأدب والفن » : 1 / 240 ، و « تاريخ علماء دمشق » للحافظ : 3 / 257 - 259 .