يوسف المرعشلي

132

نثر الجواهر والدرر في علماء القرن الرابع عشر

العمر سنتين توفيت والدته ، ثم قرأ القرآن الكريم على المقرئ الشهير الشيخ حسين المصري ، ولما ختم توفي والده وعمره نحو سبع سنين ، فقام بكفالته أبو أمه السيد خليل المحلايا ، ثم توفي بعد أربع سنوات ، فقام بكفالته أخوه الأكبر الشيخ محمد بن عبد اللّه الشامي . ولما بلغ سن الرشد حبب اللّه إليه طلب العلم ، فأقبل عليه وأخذ يدور على علماء الشام ، وكان ذلك سنة 1297 ه ، فقرأ على العلامة السيد أبي الفتح بن عبد الرحيم الخطيب في عدة فنون ، وختم عليه في ذلك العديد من المصنفات وأجازه عامة ، وأخذ عن الشيخ العالم قاسم مدور النحو والحديث والتفسير والخط والعدد وأجازه عامة . ثم حضر دروس العلامة المسند الكبير المطلّع الشيخ سليم العطار في « صحيح مسلم » والشفا للقاضي عياض وأجازه عامة ، وحضر على الشمس محمد بن أحمد المنيني في « البخاري » ، وحضر على الشيخ عبد العال في جوهرة التوحيد وغيرها ، وعلى السيد جمال الدين بن أبي الخير الخطيب في النحو والصرف والسيرة النبوية الشريفة ، وحضر على العلامة بدر الدين البيباني دروسه بدار الحديث وغيرها ، وحضر على العلامة محمد أبي النصر الخطيب ( ت 1324 ه ) في صحيح « البخاري » من أوله إلى باب الدين النصيحة ، واستفاد منه إفادات جمة ، وكان دائم التردد عليه وعلى غيره من كبار علماء الشام والوافدين عليها . وفي أواخر سنة 1303 ه قدم مكة المكرمة لأداء فريضة الإسلام ، ثم سافر إلى المدينة المنورة ، ثم إلى الشام ، وفي السنة التالية شدّ رحاله إلى مكة المكرمة مهاجرا في طلب العلم وسعيا نحو طاعة اللّه تعالى ، فالتحق بالمدرسة الصولتية ، وحفظ القرآن الكريم غيبا على الشيخ سليمان القاري الهندي ، ثم على المقرئ الشيخ إبراهيم سعد بن علي المصري ، وتلقي في الصولتية العلوم على كثير من الأجلاء ، واعتنى بتحصيل القراءات ووجوه الإعراب ، فبرع في ذلك كثيرا ، وفي سنة 1307 ه تخرج من الصولتية وأجازه العلامة رحمة اللّه الهندي خاصة بالقرآن الكريم والقراءات ، وأوصاه بالتعلم والتعليم مدة حياته ، فاشتغل بتدريس القرآن والمبادئ ، ومع ذلك كان يحضر دروس أكابر العلماء بالحرم المكي الشريف ، فحضر على المفتي عباس بن جعفر صديق ، والشيخ محمد سعيد بابصيل الحضرمي المكي ، والسيد محمد بن حامد الجداوي ، والسيد حسين الحبشي مفتي مكة ، والشيخ عمر باجنيد وغيرهم . وزار المدينة على منوّرها صلاة وسلاما دائمين عدة مرات ، والتقى بكبار علمائها كالسيد علي بن ظاهر الوتري المتوفى سنة 1322 ه ، والعلامة المسند فالح بن محمد الظاهري المهنوي المتوفى سنة 1328 ه ، والشيخ حبيب الرحمن الهندي وغيرهم ، وكذا رحل إلى الطائف وإستانبول ، واجتمع مع العلماء واستفاد وحصل وأفاد واستجاز وأجاز . ورزىء سنة 1335 ه وما بعدها بوفاة ولديه ، وأصيب بالديون والمرض ، فرحل إلى جدة ومنها إلى الهند ، فنزل في بيت زينل المشهور بالعلم والصلاح والتجارة فشفي وطلب منه العلماء الجلوس بالهند ، فجلس للتدريس وأتى بكل نفيس ، واستفاد منه العلماء والطلاب ، وممن اجتمع بهم في بمباي العلامة المسند الكبير المنتج المحدث محمد قيام الدين عبد الباري اللكنوي الفرنكي الحنفي المشهور فسمع منه المسلسل بالأولية وأجازه عامة ، وناوله ثبته المطبوع المسمى « بالباقيات الصالحات » وهو ثبت مفيد متداول ، وقد ترجمه السيد عبد الحي الكتاني في فهرسته ، ثم طلب الأذن بالرجوع لأم القرى بعد أن كثر الشوق لها ، فأذن له وودّعه العلماء والطلاب والأعيان ، وعندما وصل مكة المكرمة جلس في داره وفي الحرم الشريف يعلم الطلاب ويدرّسهم القرآن الكريم وغيره من العلوم الأخرى ، ثم أسّس مدرسة في داره سماها المدرسة الأحمدية ، وتخرج على يده طلبة نجباء أجلّاء يصعب حصرهم لكثرتهم . وفي أثناء تواجده بمكة المكرمة كان لا يسمع بورود عالم إليها إلا هرع إليه . واستفاد منه واستجازه كالشيخ أبي النصر الخطيب الذي حضر عليه في البخاري ولازمه ، والشيخ يوسف النبهاني ، وبدر الدين البيباني ، والشيخ عثمان الشنقيطي ، وأحمد بن الشمس الشنقيطي وغيرهم .