محمد خير رمضان يوسف
77
تتمة الأعلام للزركلي
ولد في القاهرة بشارع حوش قدم بالغورية . وكان جده ووالده يعملان أول الأمر في تجارة الأقمشة والأحجار الكريمة ، وتنتشر تجارتهما هذه ما بين القاهرة وجدة وسنغافورة وسواكن الخرطوم . ثم توجها إلى الزراعة في القليوبية . وكان جده سلفي النزعة ، قد طبع العديد من كتب الشيخ محمد بن عبد الوهاب . فنشأ المترجم له في جوّ بعيد عن البدع ، وتلقى دراسته الابتدائية في مدارس الجمعية الخيرية . وبعد وفاة جده انتقلت الأسرة إلى القاهرة ، فالتحق بالمرحلة الثانوية من المدرسة الإلهامية في الحلمية ، ثم انتظم في كلية الحقوق ، وبعد التخرج عام 1933 م تمرّن على المحاماة ، ثم اتخذ له مكتبا في بندر شبين القناطر ، وانضمّ إلى جماعة الإخوان المسلمين ، فكان أول محام ينضم للجماعة ، ويوقف فكره وجهده دفاعا عنها . عمر عبد الفتاح التلمساني ولم يشغله عمله هذا عن تثقيف نفسه ، فقد كان نزّاعا إلى المطالعة في كتب الفقه والتفسير والحديث والسيرة النبوية ، فكان على علم كبير ، وحفظ آلاف الأحاديث . ويقول في أسلوبه الدعوى : « ما خفت أحدا في حياتي إلّا اللّه ، ولم يمنعني شيء من الجهر بكلمة الحق التي أؤمن بها ، مهما ثقل وقعها على الآخرين ، ومهما لقيت في سبيلها من العنت . . أقولها هادئة رصينة مهذبة لا تؤذي الأسماع ولا تخدش المشاعر ، وأتجنب كل عبارة أحسّ أنها لا ترضي محدّثي أو مجادلي ، فأجد من الراحة النفسية في هذا الأسلوب ما لا أجده في سواه ، ولئن لم يكسبني الكثير من الأصدقاء ، فإني قد وقيت به شرّ الكثير من الأعداء ، هذا إلى ما نالني ورقيت به منذ انتسابي إلى جماعة الإخوان المسلمين . . » . وكان شديد الحياء ، كما لاحظ فيه ذلك كل من رآه عن قرب ، وكان جليسه ومحاوره يشعر بأن الأحداث القاسية والطويلة التي عركته في ظلمات السجن قد صهرت نفسه ، حتى لم تدع فيه مكانا لغير الحقيقة التي يؤمن بها . . ويذكر أنه عاصر الوفد وقيامه ، وثورة 1919 م ، التي كان من المنتظر أن تأتي بأبرك الثمرات لمصر بخاصة وللأمة الإسلامية بعامة ، ولولا المؤامرات الشخصية والانفعالات الزعامية ، والألاعيب السياسية التي مزقت الشعب المصري فرقا وأحزابا وشيعا واتجاهات ، وأطاحت بكل ما أمله المصريون . . وكذلك كان انقلاب يوليو 1952 م . . وظلّ خلف الأسوار أكثر من سبعة عشرة عاما ، بداية من عام 1954 عندما حكم عليه بالأشغال الشاقة 15 عاما ، ثم أعيد اعتقاله فور انتهاء المدة عام 1969 حتى أفرج عنه عام 1971 ، وأعيد اعتقاله مرة أخرى في مذبحة 5 سبتمبر الشهيرة عام 1981 . ويقول الشيخ : إنّ ثبات السجين على دعوته انتصار للحق على الباطل وهزيمة للباغي في عجزه عن تحقيق بغيته ، وإن السجون مدرسة للتطهر والصفاء وترسيخ اليقين . . قال : وكم من أخ أدخل على إخوانه وقد سال دمه وتمزّق لحمه وبرزت عظامه ، وهو يبتسم ، وهم من حوله محزونون مغمومون لما أصابه من التعذيب . وفي حديث شعبي للرئيس أنور السادات حضره التلمساني ، وبثّ في الإذاعة والتلفاز ، اتهم جماعته بالفتنة الطائفية ، وساق إليها أنواع التهم ، فقال له : الشيء الطبيعي بإزاء أي ظلم يقع عليّ من أي جهة أن أشكو صاحبه إليك ، بصفتك المرجع الأعلى للشاكين بعد اللّه ، وها أنذا أتلقى الظلم منك ، فلا أملك أن أشكوك إلا إلى اللّه . وأصاب السادات الرعب بما سمع . . فلملم تهمه ، وانقلب مستعطفا يسأل المظلوم إلغاء شكواه . . كل ذلك على مرأى ومشهد من مئات الحاضرين لذلك الحفل ، وملايين المشاهدين عن طريق التلفاز ! وعندما سئل : إنّ في حياتكم المباركة خبرات تستحق التسجيل لينتفع بها المسلم في كل مكان . . فهل لكم بكلمة توجهونها إلى الدعاة والشباب ؟ . . أجاب بقوله : « الصعاب التي تعترض الدعاة في هذا العصر عاتية غاشمة . القوة المادية في يد أعداء الإسلام ، وقد اتحدوا مع اختلافهم على أهله ، وأكبر تركيزهم على الإخوان المسلمين . وعلى أساس الموازين البشرية لم يكن لجنود طالوت المؤمنين طاقة بجالوت وجنوده ، ولكن لما أيقنت عصبة الإيمان أن النصر من عند اللّه وليس مرهونا بالعدد والعدة هزموا كتائب جالوت بإذن اللّه . إنني لا أستهين بقوة العدد ، ولا أطلب من الدعاة أن يخلدوا إلى التواكل ومصمصة الشفاه ، وتحريك الأعناق يمنة ويسرة ، وضرب الأكف بعضها ببعض . . إنها نكبة النكبات القاضية الماحقة الساحقة ، ولكن التمسك بالوحي المنزل من عند اللّه ، والجهر بكلمة الحق في إصرار واستمرار ، والاستهانة بكل صنوف الإيذاء ، وضرب المثل العالية من أنفسهم في الرجولة والبطولة والثبات ، ويقينهم بأنّ اللّه مبتليهم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات ، ليعلم الصادقين من المزيفين . . هذا كله من أسباب النصر في سنن اللّه ، وقصص القرآن خير شاهد على ذلك .