محمد خير رمضان يوسف

212

تتمة الأعلام للزركلي

وكان زاهدا في الحياة ، يقوم الليل ، ويصوم الأيام الطويلة . . وعاش في السجون لا يلبس إلا الثياب الخشنة ، وحتى الثياب الداخلية التي كان لكل سجين حق شرائها من مقصف السجن يرفضها . . ليعيش متجردا من كل ما يعتبره ضابط السجن منة توهب للسجين ترغيبا ، أو يحرم منها ترهيبا . . ورجل هذه حياته ، وهذا زهده ، لم يكن غريبا أن يأبى ما يطلبه منه ضباط السجن وضباط المباحث - طوال مدة سجنه - من تأييد نظام حكم عبد الناصر . . ولم يكن يشكل صموده في هذا الموقف صراعا نفسيا يدعوه إلى الحفاظ على زوجته الأولى حين امتدت به الأيام وثقلت بها تبعات الأعوام ، فقد كان يرى - مع ذلك - أن الإبقاء على ربه ، أغلى من الإبقاء على بيته . . وكتب في وصفه المستشار عبد اللّه العقيل - وقد عرفه عن قرب - فقال : « هو الأخ الحبيب والخل الوفي ، والتقي الورع ، المسلم الصادق ، والداعية المجاهد ، والمؤمن الصابر ، والرجل الصلب ، المعدن النفيس ، العامل بصمت ، الصوام القوام ، التالي الذاكر ، الذي ضرب أروع الأمثلة في الثبات على الأمر ، والجرأة في الحق ، والصبر على البلاء ، فكان المثل لإخوانه الدعاة داخل السجون . . . كان السنانيري التلميذ الوفي لمبادىء شيخه وأستاذه الإمام الشهيد حسن البنا ، والذي وعى الدرس من أول مرة ، أدرك بأن طريق الدعوة محفوف بالمخاطر مليء بالأشواك ، لأنه الطريق إلى الجنة ، المحفوفة بالمكاره ، لقد كان يردد على ظهر قلب ما كتبه الشيخ لتلاميذه حيث قال : سيقف جهل الشعب بحقيقة الإسلام أمامكم ، وسيحاربكم العلماء الرسميون السائرون في ركاب السلطة ، وستحاول كل حكومة أن تحد من نشاطكم وأن تضع العراقيل في طريقكم ، وستستعين بذوي النفوس الضعيفة ، والقلوب المريضة والأيدي الممتدة إليها بالسؤال ، وإليكم بالإساءة والعدوان ، فتسجنون وتعتقلون وتشردون ، وتفتش بيوتكم ، وتصادر مصالحكم ، ويروع أطفالكم ، وتنهب أموالكم ، وتثار ضدكم الاتهامات الظالمة ، والافتراءات الكاذبة ، لتشويه سمعتكم ، والنيل من أقداركم ، وقد يطول بكم مدى هذا الامتحان ، وعند ذلك فقط تكونون قد بدأتم تسلكون طريق أصحاب الدعوات . . . إلخ . وكان الأستاذ السنانيري يترجم هذا الكلام إلى واقع حي مشاهد ، عاشه هو وإخوانه قرابة ربع قرن في غياهب السجون وظلمات الزنازين وتحت سياط الجلادين » . قبض عليه في أوائل سبتمبر 1981 م عقب عودته من واشنطن مباشرة . وسقط شهيدا بيد جلاديه تحت التعذيب يحاولون انتزاع ما يرضيهم من الطعن في الجماعات الإسلامية ، ولكنه استمر يقول : « إن السادات قد فتح قبره بيديه بتوقيعه معاهدة الذل ( كامب ديفيد ) التي تقضي بتسليم رقاب الشعب المصري المسلم لإسرائيل وأمريكا ، وبافترائه على الإسلام ودعاته » . وإذا كان رثاء الزوجات لأزواجهن نادرا في الشعر ، فقد رثته زوجته أمينة قطب في أكثر من قصيدة ، وكان لها قصيدة حزينة مؤثرة في ذكرى كل سنة بعد استشهاده ، وعلى مدى سنوات طويلة رأيت ذلك في مجلة المجتمع الكويتية . ولو أنها جمعت في ديوان لكان حدثا في دنيا الشعر المعاصر . وكان أول تلك القصائد بعد استشهاده : ما عدت أنتظر الرجوع ولا مواعيد المساء * ما عدت أحفل بالقطار يعود موفور الرجاء ما عاد كلب الحي يزعجني بصوت أو عواء * وأخاف أن يلقاك مهتاجا يزمجر في غباء ما عدت أنتظر المجيء أو الحديث ولا اللقاء * ما عدت أرقب وقع خطوك مقبلا بعد انتهاء وأضيء نور السلم المشتاق يسعد بارتقاء * ما عدت أهرع حين تقبل باسما رغم العناء ويضيء بيتي بالتحيات المشعة بالبهاء * ونعيد تعداد الدقائق كيف وافانا المساء ؟ وينام جفني مطمئنا لا يؤرّقه بلاء * ما عاد يطرق مسمعي في الصبح صوتك في دعاء ما عاد يرهف مسمعي صوت المؤذن في فضاء * وإذا بفجري في غيابك يستحيل إلى بكاء ما عاد قلبي يستجيب لأمنيات أو رجاء * ما عادت الأيام تشرق أو توسوس بالهناء فقد انطوت في وهدة لرحيل عطف واحتواء * وتركتني أهوي مع الأيام في صمت الشقاء وأسائل الدنيا : ألا من سامع مني نداء ؟ * أتراه ذاك الشوق للجنات أو حب السماء ؟ أتراه ذاك الوعد عند اللّه ؟ هل حان الوفاء ؟ * فمضيت كالمشتاق كالولهان حبا للنداء ؟ وهل التقيت هناك بالأحباب ؟ ما لون اللقاء ؟ * في حضرة الديّان في الفردوس في فيض العطاء ؟ أبدار حق قد تجمعتم بأمن واحتماء ؟ * إن كان ذاك فمرحبا بالموت مرحى بالدماء ولسوف ألقاكم هناك وتختفي دار الشقاء * ولسوف ألقاكم أجل . وعد يصدقه الوفاء ونثاب أياما قضيناها دموعا وابتلاء * وسنحتمي بالخلد لا نخشى فراقا أو فناء « 1 » . محمد كنوني المذكوري ( 000 - 1398 ه - 000 - 1977 م ) عالم ، مجاهد . عضو بارز في الأمانة العامة لرابطة علماء المغرب ، من قدماء العاملين في الحركة الوطنية ، أوذي في سبيل ذلك وسجن . وكان من العلماء الدعاة ، وله فتاوى دأبت جريدة رابطة العلماء على نشرها ، وكان من دعاة السلفية .

--> ( 1 ) المجتمع ع 551 ( 20 / 1 / 1402 ه ) - بقلم أخيه المقدم المتقاعد محمد سعد - وع 551 ( 20 / 1 / 1402 ه ) ، وع 565 ( 12 / 6 / 1402 ه ) ، العالم الإسلامي ع 1385 ( 3 / 7 / 1415 ه ) بقلم عبد اللّه العقيل . قلت : وقد قرأت في كتاب أن جريدة - رسمية أو شبه رسمية - أعلنت حينئذ أنه مات في السجن نتيجة « اسفكسيا الخنق » ! !