أحمد عيسى بك
189
معجم الأطباء
رأى منى ما رأى منى استخبر ممن هناك عنى فأجبته ولم يكن هناك غير الدمع سائلا ومجيبا فعند ذلك اصطنع لي دهنا مسّدنى به في حر الشمس ولفنى بلفافة من فرقى إلى قدمي حتى كدت أفقد عنده الحس وتكرر ذلك منه مرارا من غير فاصل فتمشت الحرارة الغريزية كالحميا في المفاصل فبعدها شد من وثاقي وفصدنى في عضدي وساقى فقمت بقدرة الواحد الأحد بنفسي لا بمعونة أحد ودخلت المنزل على والدي فلم يتمالك سرورا وانقلب إلى أهله فرحا مسرورا وضمني إلى صدره وسألني عن حاله فحدثته بحقيقة ما جرى لي فمشى من وقته إلى الأستاذ ودخل حجرته وشكر سعيه وأجزل عطيته فقبل منه شكره واستعفاه بره وقال إنما فعلت ذلك لما رأيت فيه من الهيئة الاستعدادية لقبول ما يلقى اليه من العلوم الحقيقية فابتدأت عليه بقراءة المنطق ثم أتبعته بالرياضى فلما تم شرعت في الطبيعي فلما أكملت اشرأبت نفسي لتعلم اللغة الفارسية فقال يا بنى انها سهلة لكل أحد ولكني أفيدك اللغة اليونانية فانى لا أعلم الآن على وجه الأرض من يعرفها أحدا غيرى فأخذتها عنه وأنا بحمد اللّه تعالى الآن فيها كهو إذ ذاك ثم ما برح أن سار كالبدر يطوى المنازل لدياره وانقطعت عنى بعد ذلك سيارة أخباره ثم جرت الأقدار بما جرت وخلت الديار من أهلها وأقفرت بتنكرها علىّ لانتقال والدي واعتقال ما أحرزته يدي من طريفى وتالدى فكان ذلك داعية المهاجرة لديار مصر والقاهرة فخرجت عن الوطن في رفقة كرام نؤم بعض المدن من سواحل الشام حتى إذا صرت في بعض ثغورها المحمية دعتني همة علية أو علوية أن أصعد منه جبل عامله فصعدته منصوبا على المدح وكنت عامله وأخذت من مشايخها ما أخذت وبحثت مع فضلائها فيما بحثت ثم ساقتنى العناية الإلهية إلى أن دخلت حمى دمشق المحمية فاجتمعت ببعض مشايخها من مشايخ الاسلام كأبى الفتح محمد بن محمد بن عبد السلام وكشمس علومها البدر الغزي العامري ذلك الامام والشيخ علاء الدين العمادي ثم لم ألبث أن هبطت مصر هبوط آدم من الجنة لما وجدتها كما قال أبو الطيب ملاعب جنّة فكأنها مغانى الشعب وأنا المغنى