محمد الحبيب الهيلة

13

التاريخ والمؤرخون بمكة

الحديث والأثبات كما أضفت إليها كتب مناسك المكيين وبعض الرسائل الفقهية والعقدية التي تناولت القضايا الحضارية ذات العلاقة بالدراسات التاريخية . فقد كنت ولا زلت أقول بأن إنتاج فقهاء المسلمين - على اختلاف مذاهبهم - هو من بين أهم المصادر اليقينية الصادقة التي يحتاج إليها المؤرخ المعاصر . فإن علم الفقه عند المسلمين هو من أكثر العلوم تفاعلا مع المجتمع الإنساني ، وأسرعها استجابة لما يطرأ على الناس من تحوّلات اجتماعية . لذلك كانت أقوال الفقهاء وآراؤهم ومواقفهم هي الميزان الذي يضع المجتمع المسلم على كفّته كل مظاهر تطوره ليرى قولة القسط والعدل في ما يظهر فيه من حوادث وتطورات . لذلك تكون آراء الفقهاء وخاصة في أجوبتهم عن استفتاءات المسلمين من أصدق النصوص التاريخية التي لا يرقى إليها شك ، إذ هي تمدّنا بصورة واضحة لواقع المجتمع والأنماط الحضارية الشائعة فيه ، مما يعيننا على التفسير التاريخي الصحيح . كما أنّ ما ألّفه الفقهاء من كتب مناسك الحج - وخاصة فقهاء المكيين - يمكن أن يعتبر مصدرا هامّا لتصوير كثير من أحوال الحرمين وأوصاف المشاعر والمنشآت الدينية والعلمية والحضارية ، مع التعرّض غالبا إلى وصف مواسم الحج في عصر المؤلف وعرض بعض الحوادث الاجتماعية والتاريخية فيه . وتجاه أهمية هذه التآليف في العملية التاريخية فقد اهتممنا بكلّ ما كان منها متعلقا بالتاريخ وأضفناه إلى إنتاج المؤرخين ، لأن هذه التآليف ، وإن كانت فقهية الموضوع ، إلّا أنها مصادر ذات أهمية أولى في كل بحث تاريخي جاد . ولم يكن ذلك مستحدثا منّا ، وإنما سرنا فيه على منهج أسلافنا من المؤرخين المسلمين الذين لم يكونوا في تواريخهم يكتفون باعتماد الكتب التاريخية ، وإنما كانوا يعتمدون الكثير من الإنتاج الفقهي الذي يقدّم فوائد ومعلومات تاريخية وحضارية . * * *