حسن عيسى الحكيم

80

المفصل في تاريخ النجف الأشرف

ولما ولي عمرو بن هند المملكة بعد أبيه النعمان بن المنذر ، أصبحت لها مقام سياسي رفيع حتى أنه عدّ من أبرز ملوك لخم في الحيرة ، وامتدّ سلطانه إلى البحرين وجبلي طي . ويبدو أنه استفاد من ضعف دولة الغساسنة في الشام وأخذت قوافله تجوب أرض الحجاز « 1 » . ويبدو أن العلاقة بين المناذرة والدولة الساسانية أخذت في التدهور في عهد النعمان بن المنذر . وقد اختلف المؤرخون في تفسير هذا التدهور السياسي ، بيد أن أقرب الآراء إلى الصحة هو خوف الساسانيين وملكهم كسرى أبرويز من تعاظم سلطان المناذرة وازدياد نفوذ النعمان بن المنذر . فيقول المؤرخ الدينوري « أن الملك النعمان وأهل بيته واطئوا العرب وأعلموهم توكفهم خروج الملك عنا إليهم » « 2 » ، مما جعل كسرى يستدعي النعمان إلى بلاطه ، وقد أغاظه مما سمعه من النعمان من قول ، وفخره واعتزازه بالعرب وتفضيلهم على الأمم والشعوب وحتى الفرس منهم ، وقد ردّ عليه كسرى : أن ليس للعرب من خصال الخير في أمر دين ولا دنيا ولا حزم ولا قوّة . فاستشاط النعمان من هذا الكلام واشتد غضبه وأجاب كسرى من دون خوف أو تردد ، موضّحا مآثر العرب وعزّتهم ، ومبيّنا أنسابهم وأحسابهم ووفائهم . ولمّا عاد النعمان إلى الحيرة ، كانت في نفسه غيرة العربي الأصيل وفي قلبه شمم وكبرياء قومه بعد أن أخذت كلمات كسرى تحزّ في نفسه ، مما جعله يفكر بالطريقة التي يثأر بها من كسرى . فجمع وجوه العرب وكبار الشخصيات القبلية من أمثال : أكثم بن صيفي وحاجب بن زرارة التيميين ، والحارث بن عباد وقيس بن مسعود البكريين ، وخالد بن جعفر ، وعلقمة بن علاثة وعامر بن الطفيل العامريين ، وعمرو بن الشريد السلمي ، وعمرو بن معد يكرب الزبيدي ، والحارث بن ظالم المري . وقد أعدّ قصر الخورنق مكانا للاجتماع « 3 » . وعند حضور الجميع في الخورنق ، تقدم النعمان إليهم وخاطبهم بالقول :

--> ( 1 ) العلي : محاضرات في تاريخ العرب ، 1 / 68 . ( 2 ) الدينوري : الأخبار الطوال ، ص 105 . ( 3 ) ابن عبد ربه : العقد الفريد 2 / 9 . الآلوسي : بلوغ الأرب 1 / 150 .