حسن عيسى الحكيم

64

المفصل في تاريخ النجف الأشرف

العلوي بقوله « 1 » : فيا أسفي على النجف المعرّى * وأودية منوّرة الأقاحي وما بسط الخورنق من رياض * مفجّرة بأفنية فساح ووا أسفا على القنّاص تغدو * خرائطها على مجرى الوشاح وقد عقّب الشيخ علي الشرقي على هذه الأبيات بالقول : ( النجف هي خورنق اليوم ، وقريب من خورنق الأمس ، وإن النجف المعرّى الذي تكتنفه أودية منوّرة الأقاح ، كانت متنزّه الساسانيين والمناذرة والعباسيين ) « 2 » . وقد اجتمعت فيه نقاوة هواء الصحراء ، وخصب العراق ، وتجارة البحر « 3 » . ولكن هذه الخصائص كلها قد أعرض عنها ( النعمان السائح ) ، وأدار وجهه عن تلك الطبيعة الخلّابة والموقع الأخّاذ ، ولم يطل مكوثه في قصر الخورنق طويلا ، فقد غلبت عليه فجأة مسحة تعبّدية زهدية جعلته يفكر باليوم الآخر وبالأعمال التي يجب أن تدوم وتبقى . وبعد أن استغرق في تأمل عميق ، قال لوزيره ذات يوم : هل رأيت مثل هذا المنظر قط ؟ قال : لو كان يدوم ! قال : فما الذي يدوم ؟ قال : ما عند اللّه في الآخرة . قال : فبم ينال ذلك ؟ قال : بتركك الدنيا . فاستجاب النعمان لرأي وزيره وترك المملكة وأبّهة الحكم من تلك الليلة ولبس المسوح وهام على وجهه ، هاربا من الناس ، ولم يعلم به أحد « 4 » . وذكر المؤرخ اليعقوبي سبب تنسّك النعمان بقوله : بينما كان النعمان جالسا في قصر الخورنق إلى ما بين يديه من الفرات ، وما عليه من النخل والأجنة والأشجار ، إذ ذكر الموت . فقال : وما ينفع هذا مع نزول الموت وفراق الدنيا ؟ ! فتنسّك واعتزل

--> ( 1 ) ياقوت : معجم البلدان 5 / 271 . العمري : غاية المرام ص 70 . ( 2 ) الشرقي : الأحلام ص 39 . ( 3 ) العلي : محاضرات في تاريخ العرب 1 / 71 . ( 4 ) الطبري : التاريخ 2 / 68 . ابن الأثير : الكامل في التاريخ 1 / 401 .