حسن عيسى الحكيم

51

المفصل في تاريخ النجف الأشرف

البعد الحضاري لمنطقة النجف إنّ الحديث عن الحضارة في منطقة النجف في عصر ما قبل الإسلام يعود بنا إلى البعد التاريخي لهذه المنطقة التي هي جزء من أرض الحيرة والكوفة ، والتي نشأت على ربوعها حضارتان عريقتان هما أولا : الحضارة العربية التي أوجدتها دولة المناذرة في الحيرة ، وثانيا : الحضارة الإسلامية التي ترعرعت في مدينة الكوفة ، فأصبحت منطقة النجف في عهدها الجاهلي ومدينة النجف الأشرف في عهدها الإسلامي وريثة هاتين الحضارتين . وإذا درسنا الحضارة القائمة في منطقة النجف قبل الإسلام ، فإننا سوف نكشف عن الوحدة بين النجف والحيرة لأن القصور والمنازل والأديرة والقلاع وغيرها كانت ممتدّة بينهما . وقد أصبح لهذه المظاهر الحضارية ، فيما بعد ، امتداد تاريخي ساير العصور الإسلامية التي مرّت بها مدينة النجف بعد نشوئها بدءا من القرن الثاني للهجرة ، وما زالت بعض أسماء النجف القديمة تلازم حياتها المعاصرة ومنها : « الغري ، الطور ، الثوية ، اللسان ، بانقيا . . . » . ونحن في دراستنا لأي مظهر من مظاهر الحضارة العربية لمنطقة النجف ، نأخذ الجذر التاريخي وامتداداته الزمانية وما تفرزه من أبعاد ثقافية وفكرية . فقد أنشد الكثير من الشعر العربي في القصور والأديرة والمعابد ، بدءا من العصر الجاهلي والعصور التي تليه ، وإن الحركة العلمية والفكرية في الكوفة الإسلامية لها بعض الصلات التاريخية بالمراكز العلمية التابعة للحيرة الجاهلية . إن هذا يعطينا مؤشرا على وجود حركة علمية وثقافية في عصر ما قبل الإسلام في منطقة النجف . ولا شكّ أن هذا البعد الفكري تتبعه ظاهرة التحضر والتمدّن في منطقة النجف التي عاشت على ربوعها الكثير من القبائل العربية والتي أصبح لها موقع كبير في عمليات الجهاد وحركات التحرير العربية الإسلامية في العراق وبخاصّة في فترة