حسن عيسى الحكيم
177
المفصل في تاريخ النجف الأشرف
عرفت مثل هذه العبادات عند شعوب أخرى ، فكانت تهرق دماء الذبائح عند الأنصاب ثم تطلى بها . وما الغريان إلا نصبان من هذه الأنصاب ) وقد بقيا قائمين حتى أوائل العهد العباسي إذ أقدم أبو جعفر المنصور على تهديم أحدهما « 1 » ، ولكن يبقى التساؤل قائما وهو لماذا هدم أحدهما ولم يهدم الآخر ؟ وهل أن المنصور هدمه لسبب ديني إذ رأى الناس يقصدونه وفق التسلسل الزمني لعادة الإغراء بالدماء وجعله من باب عبادة الأوثان ، أم أنه كان مائلا أو على وشك الانهدام فأقدم على إزالته ؟ ولعل السبب الأخير هو الأقرب إلى الصواب لأن في هذه المنطقة أديرة كثيرة وأماكن عبادة منتشرة وهي في واقعها غير إسلامية ، بقيت معتقدا للناس ويؤدون فيها طقوسهم الدينية وعاداتهم الاجتماعية . ولم تحدثنا المصادر عن اختفاء ( الغري ) الآخر من المنطقة ، ولكن لفظ ( الغري أو الغريين ) بقي يرافق الأحداث التاريخية منذ عهد الخلافة الراشدية ، وقد ارتبط بدفن الإمام علي عليه السلام في أرض النجف . كما أن اللفظ قد ورد في الشعر العربي منذ عصر ما قبل الإسلام والعصور التالية . فقد أشار الشاعر خطام المجاشعي عند مقتل مالك وعقيل نديمي جذيمة الأبرش بقوله « 2 » : أهل عرفت الدار بالغريين * لم يبق من أيّ بها بحلّين غير خطام ورماد كنفين * وصاليات وكما يؤثقين ونزل الشاعر الفرزدق في أرض الغريين ، فعراه بأعلى ناره ذئب فأبصره مقصيا يصيء ، ومع الفرزدق مسلوخة فرمى بها إليه فأكلها ، فرمى له بما بقي فأكله . فلما شبع ولّى عنه ، فأنشد الفرزدق قائلا « 3 » : وليلة بتنا بالغريين ضافنا * على الزاد ممشوق الذراعين أطلس
--> ( 1 ) النويري : نهاية الأرب 1 / 387 . ( 2 ) ابن منظور : لسان العرب 15 / 122 . ( 3 ) الفرزدق : الديوان 1 / 387 .