محمد محفوظ

208

تراجم المؤلفين التونسيين

وما من مرة فتح له باب السجن إلا وعاود الكرّة على المستعمر عنيفة ومريرة متمسكا بما كان يدعو له ويؤمن به من المبادئ الوطنية ، وذلك رغم ما كان يشكوه من علل مزمنة ووهن جسمي ، والمرض الذي كان يهدد كيانه ويبلغ به أوج الآلام . ولا شك أن الاستعمار كان يدرك كل الإدراك مواطن ضعف هذا المناضل العنيد ، ومن ثمة تجده يتفنّن في إرهاقه ويمعن في تعذيبه ، وإجباره على قبول الموت البطيء أو اللجوء إلى أهون السبل وأحطّها وهي قبول الاستسلام والرضوخ . وبالمقابل كان يعرف خطط خصمه ، وكان على استعداد دائم لقبول هذا التحدّي بروح عالية شجاعة ويعطي المثل الرائع على الصبر والصمود والتفنن وحبك الخطط المضادة . وفي الوقت الذي كانت السلطات الاستعمارية تعلم علم اليقين ما يتعرض له جسمه من التعذيب والتعب كان يتحمل ذلك بصبر وثبات واستمرار على النضال . وآخر السجون التي دخلها هو أكبر سجون الجزائر ( الميزون‌كاري ) وقد فرّ منه وقطع المسافة الفاصلة بين تونس والجزائر وهي ألفان من الكيلومترات مشيا على الأقدام في وقت سقطت فيه الواجهة الفرنسية ، وهو يرى أن سقوط هذه الواجهة يجب أن يكون فرصة للعمل ضد الظلم والاضطهاد ، ونالته من هذه الرحلة الطويلة المضنية أتعاب جسام واشتداد وطأة المرض عليه ، وأحسّ بدنوّ أجله فبادر بالالتفاف في برنسه وقصد ( مطبعة العرب ) لصاحبها زين العابدين السنوسي الذي كان على صلة وثيقة به منذ قدّمه إليه أستاذه الشاذلي خزندار في سنة 1926 ، وسلّمه ما جمعه من شعر في ديوانه وحسنا فعل في تسليمه ديوانه للسيد زين العابدين السنوسي فإنه لبث محتفظا