محمد محفوظ
19
تراجم المؤلفين التونسيين
عليه ، وكانت في جيبي أربعون درهما لم يبق معي سواها فدفعتها إلى الخادم ، وقلت له : ارفع مائدتك ! ففعل وعرف مولاه ، فبلغني أنه قال : حرّ والذي لا إله إلّا هو ، ثم قال الخادم أدخل : فدخلت عليه وهو على السرير ، ومعلم على آخر وسرير ثالث فأمرني بالجلوس عليه فجلست ، وجعل يسائلني وأجيبه ، فلما قرب انصرافي كتب رقعة وختمها ودفعها إلي وقال : قف بهذا إلى صاحب الديوان ، وتعود إليّ ، فأخذت الرقعة ، ولقيت محمد من الغد فسألني فأعلمته فقال لي : أوصل الساعة الرقعة ، ففعلت فدفع إليّ صاحب الديوان عشرة آلاف درهم ، فأعلمت محمد بن الحسن ، فقال لي : إن عدت إلى القوم صرت لهم خادما وفيما أخذت عون لك . ورغب إليّ محمد أن أزامله إلى مكة ، فكأني كرهت هذا ، فقال لي أصحابه ، وددنا لو اشترينا هذا منه بعشرة آلاف درهم فزاملته وكنت أسأله عما أريده وربما سألته وهو في الصلاة فيمهد بالقراءة يعلمني أنه يصلي فأقول : تشتغل عني بالصلاة وقد قطعت البلاد إليك ، فيقطع ويجيبني . فخرج من العراق إلى مصر فوجد فيها أصحاب مالك المصريين : ابن وهب ، وابن القاسم ، وأشهب ، وابن عبد الحكم ، فأراد أن يخدم الفقه المالكي معهم خدمة جديدة ، وذلك أن يأخذ المنهج العراقي في تفصيل المسائل وتأصيلها ويدرج عليه من مسائل الاحكام على مذهب مالك ، فيكون بذلك قد أدخل المذهب المالكي في دور جديد من التدوين المؤصل المرتب . . . ولم يجد أسد من يسايره في هذا الصنيع من المصريين إلّا عبد الرحمن بن القاسم العتقي أكبر أصحاب مالك وأتمهم قياما على أقواله ، فدوّن أسد أسئلته لابن القاسم ومباحثاته معه وأجوبة ابن القاسم أحيانا بقول مالك ، وأحيانا بما رأى ابن القاسم من خلافه ، وأخرج ذلك كتابا كاملا جامعا قد دوّن فيه المذهب المالكي لأول مرة تدوينا وافيا هو