محمد محفوظ
14
تراجم المؤلفين التونسيين
في الحق ، والزهادة في الدنيا ، والتخشن في الملبس والمطعم ، والسماحة والترك ، لا يقبل من السلطان شيئا . وكان أول من شرد أهل الأهواء من المسجد الجامع وكانوا فيه حلقا من الصقرية والأباضية وكان حافظا للعلم ، ولم يكن يهاب سلطانا في حق يقيمه » . وقال عيسى بن مسكين : سحنون راهب هذه الأمة ، ولم يكن بين مالك وسحنون أفقه من سحنون . وقال أبو إسحاق الشيرازي : إليه انتهت الرئاسة في العلم بالمغرب ، وعلى قوله المعوّل بالمعرب ، وصنف المدونة وعليها يعتمد أهل القيروان ، وحصل له من الأصحاب ما لم يحصل لأحد من أصحاب مالك في المغرب . وعيشه من غروس زيتون بالساحل ، وكان أحيانا يباشر شؤونها بنفسه من حرث وغيره . قال عبد الجبار بن خالد : كنا نسمع من سحنون جالسا بمنزله بالساحل ، فخرج علينا يوما وعلى كتفه المحراث وبين يديه الزوج ( أي الثوران ) فقال لنا : إن الغلام حمّ البارحة ، فإذا فرغت أسمعتكم فقلت : أنا أذهب وأحرث ، وأنت تسمع أصحابنا ، فإذا جئت قرأت عليك ما فاتني ، ففعل فلما جئته قرّب إليّ غداءه خبز شعير وزيتا قديما . ومن كرمه وسماحته ما قاله أبو داود القطان : باع سحنون زيتونا له بنحو ثلاثمائة دينار ودفع ذلك إليّ ، فكان يبعث إليّ البطائق يتصدق من ذلك المال إلى أن نفد ، فاتيته بتلك البطائق ليحاسبني عليها ، فقال لي : بقي من المال شيء ؟ فقلت : لا ، فرمى بالبطائق ولم يحاسبني وقال : إذا فرغ المال فلم أحاسبك ؟ وقال محمد بن عبد اللّه الرعينيّ : لما سرت إلى الغزو إلى صفاقس مع سحنون فتح لنا مطمورة شعير لعلف دوابنا ، فما كنا نأخذ منها بكيل سماحة منه في ذات اللّه . قال غيره : وفدى سحنون يومئذ أسارى المسلمين وظن أن الأمير