محمد محفوظ

19

تراجم المؤلفين التونسيين

الأبّار يؤذي بلسانه ويتهكم في سخرية من لا يروق له « ويبدو أنه « 1 » كان ممن ينبزون الآخرين بالكلام القارص أو النقد المهين في خفية وتستر حاسبين أن أمرهم لا يفتضح وأمرهم في الحقيقة لا يخفى على أحد ، ومن هنا لقبه خصومه بالفأر ويغلب على الظن أن وجهه كان صغيرا نحيلا ، ومن هناك قال فيه أحد خصومه وهو أبو الحسن علي بن شلبون المعافري البلنسي [ كامل ] : لا تعجبوا لمضرة نالت جمي * ع الخلق صادرة من الآبار أو ليس فأرا خلقة وخليقة * والفأر مجبول على الأضرار وبعد صرف ابن الأبّار عن خطته انتقل إلى بجاية لملاقاة ولي العهد أبي يحيى زكريا « وكان في أيام أبيه شابا مستضعفا دائم الخوف من إخوته محمد وإبراهيم وعمر وأبي بكر ( وكلهم ولي بعده ) ومن أبناء عمه محمد بن عبد الواحد المعروف باللحياني لعظيم لحيته ، ولهذا كان حريصا على أن يكسب لنفسه أنصارا يشدون أزره ، فسره أن يتشفع به ابن الأبّار فكلّم أباه في أمره فأعاده إلى الرضا » « 2 » . وفي فترة الابتعاد عن الخدمة نظم القصائد الضارعة معتذرا وراجيا عفو السلطان أبي زكريا من زلقة : لمبشري برضاك أن يتحكما * لا المال استثني عليه ولا الدما ندمي على ما ندّ مني دائم * وعلامة الأوّاب أن يتندما وفي هذه الفترة ألف ابن الأبّار « إعتاب الكتّاب » « برسم السلطان أبي زكريا ، وتذلل في فاتحته فأسرف في التذلل ، وقصّ فيه حكايات كتّاب غضب عليهم الملوك والأمراء ثم عفوا عنهم وقبلوا أعذارهم واعتبوهم . أين هذا من تمثله منشدا : أطلب العز في لظى وذر الذل * ولو كان في جنان الخلود بل ها هو ذا متضرع ذليل في الدنيا لا في دار الخلود ! إن ابن الأبّار تحمله الحدة وسوء الخلق على عدم الانسجام بين مواقفه وأقواله وما كان أغناه عن التذلل والركوع لو أحسن ضبط نفسه ولم يكرع من ماء الغرور العكر . وتوفي السلطان أبو زكريا سنة 647 / 1248 وتولى بعده أبو عبد الله محمد الملقب بالمستنصر ثاني أولاده وقد رتب جماعة من العلماء والأدباء لمجالسته وكثير منهم أندلسيون

--> ( 1 ) مقدمة الحلة السيراء ص 41 ، مقدمة المقتضب من تحفة القادم ص ( ي ) . ( 2 ) مقدمة الحلة السيراء ص 42 .