محمد محفوظ
179
تراجم المؤلفين التونسيين
بعد القرن التاسع ، للهجرة . ويدل على إجراء هذا التعديل كلمة داود التلاتلي المترجم له حين استجواب درغوث باشا له : « نحن جماعة العزابة ليس بأيدينا ولا إلينا تولية الأمراء وعزلهم » . والحقيقة أن مجلس العزابة في جربة بدأ يتخلى ويضعف عن مزاولة اختصاصاته فكانت تسلب منه شيئا فشيئا كما سلبت منه الرئاسة السياسية والمدنية . وقد يتولى في بعض الأحيان بعض كبار العلماء رئاسة المجلس فينتعش كما انتعش في عهد المترجم له . وعهد شيخ المشايخ يونس بن تعاريت وغيرهما . كانت جربة في عهد المترجم له تابعة لحكم درغوث باشا صاحب طرابلس ، وارتكب عماله العسف والجور ، وحاول أهل جربة جعلها تابعة لحكم تونس « 1 » ، فلما سمع بذلك درغوث باشا جهز حملة عسكرية ونزل ببرج القشتيل ، وفتك بالثائرين . وفي ثالث يوم من الهزيمة أتى موسي بن أبي عمر بن أبي الجلود شيخ الحكم إلى المترجم له مع جماعة من الجند فقال له : « لو سرت معنا إلى درغوث لنتكلم مع الضعفاء » . فقال له : « نحن جماعة العزابة » . فسار معه فكلمه درغوث في مخالفة جربة وما كان من أهلها ، فقال له الشيخ التلاتلي : « نحن جماعة العزابة ليس بأيدينا ولا إلينا تولية الأمراء ولا عزلهم في هذا الزمان » . فقال له درغوث : « بل أنتم أدخلتم ( حاصرتم ) مسعودا ( أي السمومني ) وأفسدتم البلاد وفعلتم وفعلتم » . فقال الشخ « ما فعلنا إلّا الخير ، ولسنا من أهل الشر ، بل الفساد من قبلك لتقديمك الأسافل وغير ذلك » . وفي هذا الجواب صدق وجرأة يدلان على شجاعة أدبية كبيرة . فأخذ درغوث الشيخ وسجنه نحو شهر ، ثم قتله لكثرة الطعن فيه من النكرة والحسدة ، وذلك في أول جمادى الأولى . ويبدو من هذا أن المترجم له بمكانته الدينية ورئاسة مجلس العزابة قام بدور كبير في إضرام نار الثورة على حكم درغوث باشا ، والتفاوض مع الحكومة بتونس لإرجاع جربة إلى رحابها ، يضاف إلى هذا ما قام به خصومه الدينيون ( الإباضية النكارة ) وخصومه السياسيون من السعايات والدسائس . ودفن في غابة بركوك على تخوم حومة والغ ، وأقيم الجامع الذي سمي باسمه حول ضريحه .
--> ( 1 ) في « مؤنس الأحبة » أن درغوث أمر بصلب التلاتلي في أول الجماديين سنة سبع وتسعين وتسعمائة ، هكذا مضبوطة بلسان القلم ، والصواب : سنة سبع وستين ( بتقديم السين على التاء ) وأعاد نفس الخطأ في ص 114 عند الكلام على حملة درغوث الانتقامية من أهل جربة ، هذا مع العلم بأن درغوث توفي سنة 973 / 1565 ، فكيف تصح نسبة أحداث له بعد وفاته بنحو أربع وعشرين سنة ؟ وذكر أن الجربيين أرادوا أن تكون جزيرتهم تابعة لحكم الأتراك بتونس ، ومن المعروف إن بداية حكمهم كانت سنة 981 / 1573 . وغفل عن هذا محقق الكتاب الأستاذ محمد المرزوقي وفي نشرة أكزيقا قيصر Exiga Cesar لمؤنس الأحبة ص 10 أن التلاتلي قتل سنة سبع وستين وتسعمائة ، وهذا هو القول المعتمد .