محمد محفوظ

111

تراجم المؤلفين التونسيين

وذكر الشيخ راجح إبراهيم أنه صاغ الشعر ولم يتجاوز العاشرة « وكذلك إن بعض أناشيده في هذا السن ارتضاها أساتيذه وجعلوها أناشيد مدرسية لا تزال حتى اليوم تنشد بمدرسة المكنين تذكارا لطيفا لهذا النبوغ » . يقول الشعر ويكتبه في كل مكان ، في الموضع الخالي أو المحل العمومي ، ويكتبه في كل وقت لا فرق عنده بين الصباح والمساء . وإذا استعصت عليه قريحته في بعض الأحيان فيكفيه لإخضاعها أن يبدل قلمه أو كرسيه وأن يقوم ويخطو بعض الخطوات ويعود إلى مكانه . ولم يتجاوز مرحلة التعليم الابتدائي ولكنه كان شغوفا بالمطالعة يطالع الجرائد التونسية والشرقية التي تصله أو تصل إلى ثلة من أعيان بلدته المثقفين . وفيها قرأ أشعار صبري ، وشوقي وحافظ ، وخليل مطران ، والرصافي ، وعريضة ، وشكيب أرسلان ، والخوري ، والزركلي ، والكاظمي ، والشبيبي وغيرهم من شعراء وأدباء الإصلاح في الشرق العربي وفي تونس . وهذه المطالعات ألهمت قريحته فكتب العديد من المقالات ونظم ديوانه « الزهرات » ولعل مطالعته لم تتجاوز الجرائد ولم يكرع من مناهل الأدب العربي ، ولذلك كانت لغته يشوبها الضعف . وله قصيدة بعنوان : « أيها الشعراء إلى نهضة الشعب قبل مماته » انتقد فيها القوالب الجامدة في التعبير والأغراض التقليدية من مدح ورثاء وغزل . وهو أديب ثائر مجدد ، قال الأستاذ أحمد خالد عنه : من مظاهر نزعته الثورية الأدبيّة أنه من القائلين بحل قيود الشعر وإدخال أوزان جديدة عليه . وهو أول شاعر تونسي تجاسر ونظّم من الأوزان الجديدة التي ابتكرها شعراء المهجر ومن الأوزان التي ابتكرها لنفسه وأصبح له فضل ابتداعها عند محبذي طريقته ، غير مبال بالانتقاد الذي كان يوجهه إليه أناس كثيرون في بادئ الأمر ، ولكن ما لبث أن اقتدى به بعض الشعراء العصريين وأصبحنا نرى من حين لآخر على صفحات جرائدنا من الشعر الجديد . وسعيد لم يكن من أسرة ثرية ، ولعل هذا مما عاقه عن مواصلة تعلمه الثانوي بسوسة أو بتونس وخرج من بلدته يبحث عن لقمة العيش فعمل كاتبا بمكتب الشيخ راجح إبراهيم الوكيل « 1 » ( بمثابة المحامي الآن ) بسوسة وكان أحد أعلام الحركة الإصلاحية في مطلع هذا القرن بتونس ومنتميا إلى الحزب الدستوري القديم وكان مكتبه منتدى يلتقي فيه الأدباء والمثقفون

--> ( 1 ) الشيخ راجح إبراهيم كان وكيلا فقط لا وكيلا شرعيا كما وهم الأستاذان أحمد خالد والحبيب الشاوش والوكيل من كان حاملا لشهادة الحقوق التونسية ويرافع في المحاكم الشرعية والمحاكم العدلية ( المدنية ) التونسية ولا يرافع في المحاكم الفرنسية بخلاف من يحمل لقب محام وهو الحامل لشهادة الإجازة في الحقوق من الجامعات الفرنسية والجامعة الجزائرية ، والوكيل الشرعي لا يشترط فيه إلا إحسان القراءة والكتابة ولا يرافع إلا في المحاكم الشرعية ، وإن كان في بداية إحداث هذه الخطة يرافع حتى في المحاكم العدلية ولما تكاثر عدد الحاملين لشهادة الحقوق التونسية ونظمت مهنة الوكالة ألزموا بالاقتصار على المرافعة في المحاكم الشرعية ، وبعد الاستقلال وتوحيد القضاء الحق الوكلاء بسلك المحامين وانحلت الوكالة الشرعية .