المنجي بوسنينة

96

موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين

حتى قدم من بلاد نجد إلى منطقة الجنوب الشيخ المجدد ، العالم العامل ، الفذ السخي ، حسن النية ، سلفي العقيدة الشيخ عبد الله القرعاويّ ، الذي اختار طلب العلم ونشره منهجا ، وجعل الدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة له سبيلا . وفي عام 1359 ه أي بعد وصول الشيخ القرعاوي بسنة ، شاء الله أن يلتقي الشيخ بالطالب حافظ ، فتعرف عليه ، وعجب من ذكائه وحرصه ، وصراحته في القول وتشوّقه إلى العلم ، ففرح الطالب بما عرضه عليه الشيخ لرغبته في العلم ، إلا أن هذا العرض كان مشروطا بموافقة الوالدين اللذين لشدة حاجتهما ، لم يسمحا له بالذهاب إلى سامطة ، لتلقي العلم عند الشيخ القرعاوي . فظل الشيخ القرعاوي يتعهد تلميذه بالدروس والتوجيه ، حتى حل عام 1360 ه ، حيث توفيت أم حافظ ، ثم توفّي أبوه فلازم شيخه ملازمة مستمرّة ، وترك رعي الغنم وتفرّغ للدراسة ، فآواه الشيخ وأقام بالمدرسة التي فتحها شيخه القرعاوي في سامطة ، وبها اختتن عام 1360 ه ، وأولم له شيخه وليمة على ختانه ، دعي إليها أعيان سامطة والطلاب المغتربين ، وأعلن فيهم أن من يرغب ختان ولده بالمدرسة ، فهو مستعد بالتكلفة . وبذلك قضى الشيخ القرعاوي على عادة تأخير الاختتان والسلخ ، وبعض المنكرات التي يحصل فيها اختلاط الرجال بالنساء في اللهو واللعب ، وفي 8 محرم عام 1367 ه زوّجه شيخه عبد الله ابنته . لم يتضح لنا أن الشيخ حافظ الحكمي ، له مشايخ تتلمذ عليهم ، غير الشيخ عبد الله القرعاوي ، اللهم إلا معلّم الكتاتيب الذي حفظ عنده القرآن الكريم ، ومبادئ القراءة والكتابة ، ولذا حدب الشيخ على تلميذه ، واهتم به ، لما رأى فيه من النباهة ، وعلو الهمة ، وقوة الحافظة . وإذا كان التربويون يقولون : إن الهمة في طلب العلم غريزة تتكوّن في الإنسان ، منذ حداثته ويوقد جذوتها الذكاء الفطري ، وينمي هذه الغريزة ما يتهيأ أمام الإنسان من أسباب مادية أو معنوية ، وإلّا خمدت الجذوة ، لأن الذكاء كالسيف الأصيل ، إن ترك في غمده تأكسد ، وصدئ ، وإن استعمل وشحذ كان بتارا ؛ فإنّ حافظ الحكمي نمت الرغبة مع ترعرع جسمه في طلب العلم ، وساعده في ذلك ما في نفسه من دوافع . . وقد أجمل ابنه أحمد صفات والده في طلب العلم فقال : عندما بلغ حافظ من العمر سبع سنين ، أدخله والده مع شقيقه الأكبر محمد ، مدرسة لتعليم القرآن الكريم ، بقرية الجاضع ، فقرأ على معلمه بها جزأي : عم وتبارك ، وخلال أشهر معدودة حفظه حفظا تاما بعد ذلك . اشتغل بعدئذ بتحسين الخط ، فأولاه أكبر جهوده حتى أتقنه ، وكان ينسخ من مصحف مكتوب بخط ممتاز ، إلى جانب اشتغاله مع أخيه بقراءة بعض الكتب في الفقه والفرائض ، والحديث ، والتفسير ، والتوحيد ، مطالعة وحفظا بمنزل والده ، إذ لم يكن بالقرية عالم يوثق بعلمه ، حتى يتتلمذ على يديه . ولما زار الشيخ القرعاوي قرية الجاضع في جولاته ، حضر حافظ دروسه ، ورغم أنه كان أصغر الحاضرين سنا إلا أنه كان أسرعهم فهما ، وأكثرهم حفظا واستيعابا ، حيث أعجب به الشيخ القرعاوي ، كما روي عنه