المنجي بوسنينة

90

موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين

والدكتور مصطفى السحرتي يرى أنّه ناقد تأثّري أسلوبي لم يخل من تحليل موضوعي [ دراسات نقدية في الأدب المعاصر ، الهيئة العامّة للكتاب ، ص 55 ] . والدكتور عبد العزيز الدسوقي ينفي أنه ناقد تأثري ويؤكد أنه « كان يتذوّق العمل الفني ويقوم في الوقت نفسه بعملية تحليل وتفسير وموازنة » . ويرى الدكتور مصطفى حسين « أنّ يحيى حقي ناقد تأثّري لم يتأثّر بالمذاهب النقديّة لأنّه آثر الحريّة . فقد تحرّر من سيطرة المذاهب ، وحرص على ألّا يقحم في تصانيف نقده مصطلحات وأقوال » [ يحيى حقّي مبدعا وناقدا ، المجلس الأعلى للفنون والآداب ، ص 122 ] . أما عز الدين المخزومي الذي تصدّى لدراسة يحيى حقي ناقدا في أطروحته للماجستير ، فقد اكتفى بذكر الآراء السابقة دون أن يقدّم تحليلا علميا لطبيعة المنهج النقدي عند يحيى حقي [ يحيى حقّي ناقدا ، رسالة ماجستير مخطوطة بمكتبة جامعة القاهرة ] . والحق أن يحيى حقي من أكثر كتاب جيله ، بل والأجيال التي أعقبته ، اهتماما بقضايا الأدب والمجتمع مع تركيز خاص على طبيعة الأسلوب القصصي التي كانت شغله الشاغل على مستوى التنظير والإبداع . ويتجلّى ذلك في محاضرته التي ألقاها بجامعة دمشق تحت عنوان : « حاجتنا إلى أسلوب جديد » حيث يقول : « والأسلوب الذي أطالب به هو أسلوب علمي يتميّز بطلب الحتمية والدقّة والوضوح لأنّ اللفظ عندي هو وعاء الفكر ولأنّ وضوح الفكر لا يكون إلّا بهذا الأسلوب العلمي الدقيق » . إنّ المنهج النقدي عند يحيى حقي - بناء على استقراء كتبه النقدية ومحاضراته ومقالاته - نهج أسلوبي يقوم على أساس خصوصية الأسلوب القصصي ، فهذا الأسلوب عنده ينبغي أن يكون علميا يتّسم بالتحديد والحتمية والعمق ويتأسّى عن الاستطراد والترادف والحشو . وهو أسلوب فصيح يتميّز بالفنّية ويتجاوز لغة الحياة اليومية ولا يستخدم العامّية إلّا لضرورة فنية . الرؤية الإبداعية القصصية عند يحيى حقي تقوم على رصد تجلّيات الواقع الخارجي بمشاهده الحسّية التي تبصر وتسمع وتشم وتذاق وتلمس فترصدها بعين محايدة ، وتتعمّق فيها بفطنة البصيرة ورؤية البصر ، فامتزج الواقع بالشعور ، وارتبطت الذات بالموضوع وتفاعل الوجدان والحس والفكر ، فتولّدت من هذا كلّه صورة حسّية هي بنت الواقع وفيض الوجدان ونتاج الفطنة الثاقبة . ومن خلال قراءة روايتيه « قنديل أم هاشم » ، و « صحّ النوم » ومجموعاته القصصية الخمس ندرك أهمّ الملامح الفنّية التي تشكل رؤيته القصصية وهي اللوحة الوصفية التي تقوم على الوصف الحسّي وتتيح له التحرّر من قيود القصة حيث يقول : « أنا متيّم بالوصف والتأمّل وقليل الصبر على الحادثة » . والوصف عنده لا يصاغ لمجرّد الوصف بل لأنّه يساعد الحدث على التطوّر لأنّه في الواقع جزء من الحدث ذاته . وقد اتّسع الوصف عنده ليشمل عالم الإنسان والحيوان والطير والطبيعة جامدة ومتحرّكة . إذا كان يحيى حقي قد استخدم اللوحات