المنجي بوسنينة

85

موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين

والتاريخ في ثانوية العائدي في أثناء دراسته الجامعيّة ، وتدريس التاريخ في كلّية الشريعة بجامعة دمشق بعد تخرّجه في كلّية الحقوق عام 1944 م ، ولكنّ الزمن لم يمتدّ به في التدريس ، إذ سرعان ما عيّن عام 1945 م في السلك الديبلوماسيّ . وراح ابتداء من هذا التاريخ يتنقّل في بلدان كثيرة ، ويتعرف على العباد في : بغداد ، والجزائر ، وباريس ، وبرن ، وبون ، وموسكو ، واستانبول ، وكابول ، وهي العواصم التي عمل فيها سفيرا لسورية . ساعدته على النجاح في عمله أمور ، أولها نيله دبلوم الحقوق الجزائيّة من كلّية الحقوق في السوربون بباريس ، وثانيها حصوله على الدكتوراه في الحقوق الدولية عام 1950 م من الكلّية نفسها والجامعة ذاتها ، في موضوع يخصّ القضيّة الفلسطينية ، وثالثها إجادته عددا من اللغات ، ورابعها اتّساع ثقافته التاريخية والأدبية ، العربية والأجنبيّة ، وخامسها إخلاصه لوطنه وأمّته ووظيفته . ولذلك انتقل بديع حقّي من موظّف في السلك الديبلوماسي إلى سفير فوزير مفوّض في وزارة الخارجية . وبقي في منصبه حتّى أحيل إلى التقاعد ، فعاد ثانية إلى دمشق . جبل بديع حقّي على الورع والتقى والحياء والعاطفة المتّقدة . وورث عن أمّه ، ذات الأصول الريفيّة ، الصبر والجلد والحنان والتفاؤل والحيويّة . ومن ثمّ أصبح كتلة من الرقّة والوفاء والتواضع والبساطة والهدوء في إهاب رجل أديب ، مما جنح به إلى كتابة الشعر الرومانسيّ ، بل إنه أصدر عام 1954 م ديوانا من الشعر ، عنوانه « سحر » ، ونشر عددا غير قليل من القصائد في الصحف والمجلّات . بيد أنّ موهبة القصّ لديه كانت أصيلة أيضا ، رسّختها قدرته على التخيّل والقصّ ، وارتقت بها خبرته في التعبير عن أدقّ المعاني ، وثقافته القصصيّة والروائيّة . ولذلك اتّجه إلى القصّة والرواية ، وراض نفسه على أن يفيد من شاعريّته في أثناء ترجمة الشعر والنصوص الأدبية الرومانسية ، وفي كتابة المقالات عن الشعراء الرومانسيين الروّاد . نجحت مجموعة « التراب الحزين » في ترسيخ اسم بديع حقّي في حقلين مهمّين ، حقل التزامه القوميّ بقضية فلسطين ، وحقل أسلوبه القصصي وقدرته الحكائيّة . ولم يكن هذا النجاح فرديّا خاصّا ببديع الذي اقتنع بالتخلّي نهائيّا عن كتابة الشعر ، بل كان عاما . فقد فازت هذه المجموعة القصصيّة عام 1961 م ، بعد طباعتها بعام واحد ، بجائزة الدولة التشجيعية للقصّة ، وقرّرتها وزارة التربية ، طوال ثلاث سنوات ، في الصفّ الثالث الإعداديّ ( شهادة الكفاءة ) . وكان موضوعها الفلسطيني ، وقدرتها الحكائية الشائقة ، وأسلوبها القصصيّ الرائق ، أسبابا حقيقيّة لفوزها وتأثيرها في الطلاب وأساتذتهم والقرّاء من حولهم . ولعلّ خلفيّة هذا كلّه تكمن في قدرة بديع حقي على أن ينقل الواقع إلى المتخيّل ، ويصوغ منه بموهبة التخيّل التي فطر عليها ، وبالثقافة الفلسطينية التي اهتمّ بها ، وبالأسلوب الحكائي واللغويّ الذي خبر أفانينه ، قصصا وروايات ذات خصوصية محلّيّة ونزوع إنسانيّ . فقصّة « ضياع » ترجع إلى أصل واقعيّ ، مفاده رؤية بديع حقّي في السوق العتيق طفلا