المنجي بوسنينة
426
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين
فأخذ عن محمد بن مقاتل الرازي ، وموسى ابن نصر ، ولمّا اشتدّ عوده ازداد شغفه بالعلم فارتحل إلى العراق وبها سمع من حميد بن الربيع ، ومحمد بن إسماعيل الأحمسي وعدّة من طبقتهما ولم يزل يطلب الحديث ويكتبه حتّى خرج مع شيخه شاه بن شجاع الكرماني يزوران أبا حفص النيسابوري ، فقبله أبو حفص وحسّنه عنده وصار له سكنا وعلى ابنته ختنا ، ولم يزل بنيسابور يسمع العلماء ويجلّهم ويعظّمهم ، فسمع من أبي جعفر بن حمدان « صحيحه » المخرّج على مسلم بلفظه ، وكان إذا بلغ سنّة لم يستعملها وقف عندها حتّى يستعملها . وقد حدّث عن أبي عثمان سعيد الحيري ابناه أبو بكر ، وأبو الحسن ؛ وأبو عمرو بن مطر ، وإسماعيل بن نجيد والرئيس أبو عمرو ، وغيرهم كثير [ الحافظ الذهبي ، سير أعلام النبلاء ، 14 / 63 ] قال أبو نعيم أحمد بن عبد الله الأصبهاني في حلية الأولياء وطبقات الأصفياء : « هو العارف الفاصح والعابد الناصح ، كان بالحكم منطيقا فصيحا وللمريدين شفيقا نصيحا ، علّمهم الآداب الرفيعة ونبّههم على ملازمة الشريعة ، كان إلى موافقة الحقّ مجذوبا ، وعن حظوظ النفس مطّهرا مسلوبا ، حميد الأخلاق مديد الإرفاق ، بقيت بركته وآثاره على أهل نيسابور ، وكان للخراسيين نظير الجنيد للعراقيين . وكان يقال في عصره : ثلاثة لا رابع لهم ، أبو عثمان بنيسابور ، والجنيد للعراق ، وأبو عبد الله بن الجلاء بالشام [ الأصبهاني ، الحلية ، 10 / 244 ] قال محمد بن الفضل البلخي في حقّ المترجم له : كان مشهورا بصدق الحال وحسن الكلام ، قد زيّنه الله تعالى بفنون عبوديّته وأبرزه للناس ليسمعهم آداب العبوديّة . وذكر الحاكم أخبار أبي عثمان في خمس وعشرين ورقة وفي غضون ذلك من كلامه في التوكّل واليقين والرضى : ومما قاله : أخبرني سعيد بن عثمان السمرقندي العابد أنّه سمع أبا عثمان يقول : لا يطلب جوار الله إلّا من وطّن نفسه على ثلاث : أوّلها إلقاء العزّ وحمل الذلّ ، والثاني سكون قلبه على جوع ثلاثة أيّام ، الثالث ألّا يهتمّ ولا يغتمّ إلّا لدينه أو طلب إصلاح دينه . وقال أبو عمرو بن حمدان ، سمعت أبا عثمان الحيري يقول : من أمّر السنّة على نفسه قولا وعملا نطق بالحكمة ، ومن أمّر الهوى على نفسه نطق بالبدعة . ثمّ تلا قول الله تعالى : وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا [ النّور : 54 ] . وممّا أخبر به الحاكم عن أبي عثمان أيضا أنّ محمد بن صالح بن هاني قال : لمّا قتل محمد ابن الذهلي سنة ثلاث وسبعين ومائتين 273 ه ، ومنع الناس من حضور مجالس الحديث من طرف الأمير الجبّار أحمد الخجسستاني ، لم يجسر أحد على حمل محبرة إلى أن ورد السرّي بن خزيمة ، فقام الزاهد أبو عثمان الحيري وجمع المحدّثين في مسجده وعلّق بيده محبرة وتقدّمهم إلى أن جاء على خان محمش فأخرج السري وأجلس المستملي ، فحضرنا مجلسه زيادة على ألف محبرة ، فلمّا فرغ قاموا وقبّلوا رأس أبي عثمان ونثر الناس عليهم الدراهم والسكّر .