المنجي بوسنينة

415

موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين

في قصص « نجمة المساء » مقدرة تعبيرية مباشرة عن المآل المسدود للتجربة : الإخفاق ، خواء الروح ، الاستسلام ، الحماقة ، الانتحار . إن محمد حيدر في هذه القصص كاتب ماهر يعاود تفكيره الوجودي ويمعن في حساسيته المتفاقمة إزاء المصير الفاجع للفرد ، ويعود إلى كتابة القصة الممتعة وتتبدى مهارته في صياغة موضوعه وتنظيم سرده على الرغم من العناصر غير القصصية التي يخوض فيها كالاستطراد والتفكير الشكلي المنطقي « الأرقام » نحو تغيير مستوى السرد عن طريق التلاعب بالزمان واستعمال تيار الوعي والالتفات عنه عمدا . . الخ . ونورد هنا تلخيصا لأفكار قصصه ، إذ تقوم « قصة حقيقية » على ذاكرة رجل تعرف إليه الكاتب أثناء دراسته الجامعية في مطلع الخمسينات ، فقد كان يهوى أن يكون أديبا ، ولكنه قرر الاعتزال مبكرا ، لأنه « خسر معركته مع العالم » ثم ودعه وكأنه يرش آخر قبضة من التراب على قبره . ويتحدث الكاتب في قصة « لقاء مضحك في باص » عن تعرفه إلى فتاتين هما ابتسام الطالبة من دمشق ، وليلى الأديبة من الكويت ، وهواجس عن الصمت والوحدة ووصف لممارسات جنسية على استيحاء ونقد مريع للذات والآخر . ويتناول في قصة « موت أم عبدو » عن موت السيدة أم عبدو التي كان يسكن عندها وأسئلة عن الشيخوخة والعجز والمصير ، بينما تعالج قصة « وديعة » علاقة خاصة مع الطبيبة وديعة ، وثمة غزل ملتبس يحاول أن يكون ذكيا كعادة الكاتب ، وتحليل للسلوك الإنساني من منظور وجودي . ويصور في قصة « سعادة » امرأة بغيا تزور منزل صديقه ، وتنام في فراشه ثم تنتحر فيما بعد . أما قصة « رويدة » فهي كشف ذكي ولطيف لذات كاتب غير متصالح مع نفسه أو للعالم ، والسبب هو الحماقات ، ثم يلتقي الكاتب في قصة « نجمة المساء » بامرأة يسميها نجمة المساء ، ولكنها تغيب في زمن الحزن ، وتتركه حزينا . على الرغم من استخدام محمد حيدر لأبسط عناصر القص التقليدي ، أعني به السرد التابع أو المباشر ، أي سرد ما حصل بصيغة الماضي المأثورة ، وعن طريق « المتضمن » في الحكاية ، وهو القاص نفسه ، بقصد استحضار الماضي ، فإن محمد حيدر يجدد أدواته التقليدية بواسطة الفيض اللفظي رصدا لمشاعره داخل مبالغة التماهي بين القاص والراوي والشخصية ، فهو يحكي عن ذاته ويسرد الوقائع والأحداث الماضية اللصيقة بنفسه دون أن يخفي صراحة موقفه من مجريات النفس وهي تعاني وتتألم وتفقد الحيوية . وإذا كان الكاتب يلوذ بالتحليل النفسي ، فإن براعته تكمن أساسا في تطويع مقدرته اللفظية وسيولته الوجدانية للإفصاح عن موقفه الوجودي ؛ وهكذا يتبدى ولعه بالتركيز على حيثيات هذا الموقف ، وأن يؤدي السرد وظائفه خدمة لهذا الموقف أيضا . يؤدي السرد عند محمد حيدر وظيفتين هما الأنسب لتفكيره الوجودي : الأولى تعليمية أو إيديولوجية يميل فيها الخطاب القصصي إلى التفسير وشرح الحالة أو الموقف أو مبالغة للقصد عن طريق التحليل النفسي والاستطراد العارف والتقطيع ، حين يقاطع الراوي سرده إلى إماطة اللثام عن صنعته : نفي الإيهام