المنجي بوسنينة
389
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين
الذي أوردناه عنه في موضوع الاستقراء ، من أنّه يؤدّي إلى الحكم الاحتمالي فقط دون اليقين ، سبقا لرجال المنهج العلمي في العصور الحديثة ، الذين أوشكوا اليوم - منذ ديفد هيوم - أن يكونوا على اجماع في هذا ؛ حتّى لقد أصبح من أبرز الخصائص التي تميّز العلم اليوم أنّه احتماليّ النتائج ما دام قائما على أسس استقرائيّة » . لقد أضاف جابر إلى المعرفة الإنسانيّة عنصرا جديدا افتقر إليه اليونان ، حين اعتمد على التجربة والبرهان الحسيين ، ولم يكتف بالفرضيّات والتحليلات الفكريّة الغامضة التي كانت محور المعرفة عند اليونان ، بل كان حريصا على أن يقصر نفسه على مشاهداته التي تجيء التجربة مؤيّدة لها ، انظره يقول في المقالة الأولى من كتاب « الخواص الكبير » : « ويجب أن تعلم أنّا نذكر في هذا الكتب خواص ما رأينا فقط - دون ما سمعنا أو قيل لنا أو قرأناه - بعد أن امتحنّاه وجربناه ؛ فما صح أوردناه وما بطل رفضناه ، وما استخرجناه نحن أيضا وقايسناه على أقوال هؤلاء القوم » . ويطلق جابر اسم « التدريب » على ما نسمّيه اليوم « التجربة » . وهو يجعل التدريب شرطا أساسيا للعالم الحق حينما يذكر : « فمن كان دربا كان عالما حقا ، ومن لم يكن دربا لم يكن عالما ، وحسبك بالدربة في جميع الصنائع ، إنّ الصانع الدرب يحذق وغير الدرب يعطل » . وإنّ علم الكيمياء ليسجلّ له كشوفا هامّة ؛ فهو أوّل من استخرج حمض الكبريت من الزاج الأزرق وسمّاه زيت الزاج ، وأوّل من اكتشف الصودا الكاوية ، وأوّل من استحضر الماء الملكي ( ماء الذهب ، لأنه يذيب الذهب ) من مزيج حمض النتروجين ( ماء العقد ) وحمض كلوريد الهيدروجين ، وإليه ينسب اكتشاف حجر جهنّم ( نترات الفضّة ) . وقد كان جابر يؤمن بأنّ العناصر جميعها تتألّف من الزئبق والكبريت النقي وتختلف العناصر عن بعضها بنسب اتحاد الزئبق والكبريت ودرجة نقاوتهما ، التي هي أساسها ودلالتها . وقد مثّل جابر تكوين هذه العناصر في باطن الأرض بتكوين الجنين في الرحم ، حيث أشار إلى المدّة التي يتفاعل خلالها الزئبق بالكبريت ، الأمر الذي جعله يبتدع الفرن والبوتقة ليعيد ما يجري في الطبيعة . . . والحق أنّ هذه النظريّة التي عدّها بعض الكيميائيين الأوروبيين مفتاح نظريّة الفلوجستون ، هي أعظم فكرا وأعمق تأملا من نظريّة الفلوجستون ، التي جاءت بعد نظرية جابر بعشرة قرون تقريبا . وبالجملة فقد احتلّ اسم جابر بن حيّان مكانة عظيمة بين أسماء العلماء بعامّة والكيميائيين بخاصّة ؛ ولم يتسنّ لغيره الوصول إليها لمدّة تقارب العشرة قرون ( من القرن الثامن إلى القرن السابع عشر ) ؛ وذلك لكثرة ما ألّف من رسائل وكتب وما تميّز به عن غيره في مهارته التجريبية وغزارة علمه وعمق تفكيره ، وقد بلغ ذروة علمه في النصف الثاني من القرن الثامن الميلادي . تشير أوثق المصادر إلى أنه قام بتأليف أكثر من مائة واثني عشر كتابا ، وقد قيل خمسمائة ،