المنجي بوسنينة

387

موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين

التراث تعجز عن إنجازه طائفة من البشر . وهي قصّة تتكرّر من نوابغ الفكر ، كأنّما الإنسانيّة تستكثر على نفسها أن ينبغ من أبنائها أحد يجاوز حدا معلوما ، فإن جاوزه قال عنه الخلف : « إنّه أسطورة لفّقها الخيال » ؛ فها هو المؤرّخ الرياضي « بل » ( Bell ) يكاد لا يصدّق في ترجمته للرياضي والموسوعي الشهير « لايبنتس » ( Leibnitz ) ( ت 1746 م ) ، فقد كتب يقول : « ويكاد يكون من غير المعقول أن تتمكّن رأس واحدة من إنتاج جميع الأفكار المنشورة وغير المنشورة التي كتبها لا يبنتس على الورق » . وهكذا كان بالنسبة لصاحبنا جابر بن حيّان الكوفي ، فقد جاء في كتاب « الفهرست » لصاحبه ابن النديم ( ت 438 ه / 1047 م ) ، أنّ : « جماعة من أهل العلم وأكابر الوراقين تقول عن جابر بن حيّان : إنّه لا أصل له ولا حقيقة . وبعضهم قال إنّه ما صنّف ، وإن كان له حقيقة ، إلا كتاب الرحمة ، وأنّ هذه المصنّفات صنّفها الناس ونحلوها إيّاه » . وقد رد ابن النديم عليهم قائلا : « إنّ رجلا فاضلا يجلس ويتعب ، فيصنّف كتابا يحتوي على ألفي ورقة ، يتعب قريحته وفكره بإخراجه ، ويتعب يده وجسمه بنسخه ، ثمّ ينحله لغيره - إما موجودا أو معدوما - ضرب من الجهل ، وإنّ ذلك لا يستمرّ على أحد ، ولا يدخل تحته من تحلّى ساعة واحدة بالعلم ، وأيّ فائدة في هذا ، وأيّ عائدة ؟ والرجل له حقيقة وأمره أظهر وأشهر وتصنيفاته أعظم وأكثر . . . » . وفي العصر الحديث ظهر من بين المستشرقين من ذهب إلى القول : « إنّ الكتب الكيميائيّة اللاتينيّة ، التي تنسب إلى جابر ، والمتضمّنة نظريّات علميّة قديمة ، وكان لها أثرها في تقدّم الكيمياء في أوروبا ، إنّ هذه الكتب ليست إلا كتبا لمؤلف لاتيني مجهول - أطلق برتلو عليه اسم « جبر » - انتحل اسم جابر ليحتمي بسمعته وشهرته . وقد أورد « برتلو » ( Berthelo ) نظريّته هذه في كتابه « الكيمياء في العصور الوسطى ( La Chimie au Moyen Age ) ، الذي ظهر عام 1310 ه / 1893 م في ثلاثة أجزاء » . وقد أمعن برتلو ، حينما عدّ كلّ كتاب يتضمّن أفكارا علميّة متقدّمة كتابا منحولا ، وكلّ كتاب تافه غثّ كتابا من كتب جابر العربي . ومن حسن الحظ أنّ الردّ على برتلو كان من مستشرق متضلّع باللّغة العربيّة ، يجيدها كأحد أبنائها ، هو « هولميارد » E . Y . Holmyard أستاذ الكيمياء بكليّة « كلفتن » Clifton في بريطانيا . فنّد فيه آراء برتلو مشيرا إلى نقاط الضعف فيها ، لعلّ أبرزها : « على الدارس للكيمياء العربيّة أن يكون ملما بالكيمياء واللّغة العربيّة معا ؛ تحقّق لبرتلو الإلمام بالكيمياء ولم يتحقّق له معرفة العربيّة » . وأنّه يتوافر في مكتبات أوروبا نحو 300 كتاب في الكيمياء ، منها 50 كتابا تقريبا باسم جابر بن حيّان ، بعضها ضخم تربو صفحاته المئات . أما الكتب ( 13 ) التي اختارها برتلو فإنّ مجموع صفحاتها جميعا بلغ 205 صفحة فقط . ومثل هذا الاختيار لا يجيز لصاحبه القول إنّه وصل إلى رأي حاسم وحكم سديد . ويعدّ هولميارد صاحب الفضل الأوّل في الكشف عن منزلة جابر الرفيعة في تاريخ الكيمياء ، إذ هو أوّل من أشار إلى التطوير