المنجي بوسنينة

366

موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين

مفتاحية هي قول للورنس من كتابه « أعمدة الحكمة السبعة » في وصفه لثائر تصدى للجيش الأجنبي ، فقد « انحدر وحده عن قمة الجبل وهو يهزّ بندقيته بغضب في وجه الجيش ، وتخطى قاعا عميقا فذهلنا أمام هذا الجنون وكأننا قد صعقنا في أمكنتنا وهو مندفع كالسهم ، وجمد الكون من حولنا ، وصمتت الطبيعة ، فلم يعد يسمع غير وقع سنابك فرسه » [ ص 175 ] . ومهّد للقصة بأن الراوي وجد هذه اليوميات الحية في دفتر صغير لثائر ، ولقد حاول أن يحتفظ ما أمكن بروحها ولغتها ، وهي لهجة دمشق ضمن محاولة تفصيحها . ومدّ أسلوبه في معالجة القيم الوطنية إلى أهمية العناية بالنشء الجديد وتربيته مثل قصة « ثلج هذا العالم » التي عاين فيها ألم المعلم لدى علمه بقرار نقله إلى مدرسة أخرى بسبب آرائه غير المقبولة لدى الإدارة ، فتقترب القصة من أفق النجوى تستحضر ما حصل واحتمالاته المتباينة في التأثير على نمو وعي الناشئة القومي ، واستعان بعبارة مفتاحية لسارتر في كتابه « الغثيان » على أنه وحيد ، « ولكنه يسير كفرقة تهبط نحو مدينة » [ ص 65 ] . والقصة مزيج من وطأة المال على المعلم وتلاميذه في الوقت نفسه ؛ وجاءت الخاتمة مجازا من وصف الطبيعة تمثيلا للوصف النفسي للمعلم : « الثلج ينهمر . . والأستاذ يبتعد عن المدرسة ، نقطة سوداء في المحيط الأبيض ، كان الصقيع يتكسّر تحت قدميه وهو ينتزعهما منه بقوة وعزم » [ ص 83 ] . وبنى قصته « شتاء قاس آخر » وفق هذه التقنية المتطورة في ملاحقة وصف لوحة نفسية واجتماعية عن معنى الصمود أمام تقلبات الحياة وضغوطها المستمرة من خلال استحضار الشخصية لجوانب من ذكرياتها المرّة ، ورمّز لذلك بشجرتي نارنج وسنديان في حديقة منزل أثناء اشتداد عاصفة شتوية ما لبثت أن انفرجت الأحوال إلى الربيع . ولا نغفل عن المبنى الاستعاري الشامل للقصة بعد ذلك حين يربط الغرض بالعبثة السردية المفتاحية في مطلع القصة المأخوذة من كلمة للشاعر هايني : « يا إلهي ما أطول ليل الظلم ، وما أقسى شتاءه » [ ص 77 ] . اعترف الراوي في مطلع القصة بحبّه لشجرة الليمون اللطيفة التي تعيش في بيته ، وأكد أنه لم يعقد صداقة مع شيء في الدنيا على مثل المتانة التي عقدها مع هذه الشجرة . « كانت تشبه أميرة رقيقة من الأميرات اللواتي كنت أقرأ عنهن في القصص ، أميرة حقيقية شامية ، تجلس على أريكتها وقد تدثرت بحرير أخضر . . النوافذ مفتوحة على جبال خضر ، والكتاب الذي بين أصابعها النحيلة موشح بضفائر من الديباج الأخضر تنوس ثم تتكئ في دعة ورخاوة على أطراف معاصمها التي تبرق باللآلئ » [ ص 79 ] . ويوحي هذا الوصف بتعضيد المبنى الاستعاري للقصة لدى المقارنة بشجرة السنديان المعتادة على مقاومة الشتاء والعاصفة ، مما جعل والده يربت بحنو ووجد على جذعها ثم استدار نحوه ، وخيل إليه « أن دمعتين غبراوين كلون السنديانة تدحرجتا من عينيه الصارمتين فامتصتهما سريعا تجاعيد وجهه كما تمتص الأراضي العطشى صيّب السحاب » [ ص 92 ] .