المنجي بوسنينة

346

موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين

الاستحسان ما دام يمضي له ، وكان ملائما للمعقول فإن لم يمض ، رجع إلى ما يعامل المسلمون به ، أي ما يتعاهد عليه الناس من أعرافهم ومعاملاتهم التي استقاموا عليها [ أبو زهرة ، تاريخ المذاهب الإسلامية ، 2 / 161 ] . وهذه الأصول هي التي عليها أكثر أهل العلم ، إذ لا نزاع في هذا الترتيب وإن كان الاختلاف معه في حجم كل دليل في الفقه ، توسيعا وتضييقا وكذلك في مفهوم هذا الاستحسان الذي يقول أبو حنيفة أنّى أخذ به وكذلك النزاع في تقديمه على القياس ، هذا الأمر الذي اختلف فيه حتّى مع أصحابه ، فالاستحسان هو مجال الغوص على النكت الفقهيّة واعتبار ما يصلح أمور الناس من دون التقيّد بأشكال القياس التي يكون الالتزام بها أحيانا إجحافا أو تضييقا على المكلّفين ، يقول تلميذه محمد بن الحسن الشيباني : « كان أبو حنيفة يناظر أصحابه في المقاييس فينتصفون من مسائل » [ شلبي ، أصول الفقه الإسلامي ، 1 / 270 ] . فالاستحسان نمط من الاجتهاد ، متميّز ، يحتاج صاحبه عند تقريره إلى وجوه من الاستدلال والترجيح والبيان ، قد لا تطلب في دليل آخر بخلاف القياس الذي هو ضرب واضح من الاجتهاد ، بسيط غير معقّد وهو ما جعل الإمام الشافعي يلتزم سنن القياس ، ولا يقر بشرعيّة الاستحسان ، وأبو حنيفة في فقهه كثيرا ما يعدل عن القياس إلى الاستحسان ، وإن كان الظاهر أنّه يرجع إلى أيهما كان أوفق له ، بمعنى أنه يتصرّف في إلحاق المنظور فيها بأحد الدليلين ( القياس أو الاستحسان ) طبق معايير فقهيّة دقيقة ، وهذا الأمر هو الذي عجز عنه أتباعه ، فلم يتهيّأ لهم وجه الاستحسان الذي قال به إمامهم ولم يتحرّر لهم معناه حتّى قالوا : « الاستحسان هو ما ينقدح في الذهن ولا يتيسر التعبير عنه » وهنا بالذات يجد خصومه والمنتقدون عليه مجالا لإشاعة الأباطيل فيه . ولعلّ السمة التجارية التي كانت واضحة في فقهه هي السبب في تسوّغه في الأخذ بدليل الاستحسان وكذلك بالعرف ، ذلك أنّه يفكّر في العقود الإسلاميّة المتّصلة بالمعاملات ، تفكير التاجر الذي تمرّس بها وعرف عرفها ، واستبان معاملات الناس فيها ، وواءم بين نصوص الشريعة من كتاب أو سنة وما عليه الناس من معاملاتهم ، وتماشيا مع هذا المنهج الاجتهادي الذي وضعه ، فإنه تجرّد لافتراض المسائل وتقدير وقوعها وفرض أحكام لها ، إما بالقياس على ما وقع ، وإما بإدراجها في العموم ممّا زاد الفقه اتّساعا وتشعّبا ، حتّى قيل إنّه وضع « ستين ألف مسألة في الفقه » وقد تابعه في هذا المنهج التجريدي الافتراضي كثير من الفقهاء ممّن جاء بعده ، ففرضوا المسائل وقدروا وقوعها ثم بيّنوا أحكامها . وخلاصة ما ذكر أنّ الفقه كان صناعة أبي حنيفة ، وقد اتّفق له من الأصحاب ما لم يتّفق لغيره ، وقد وضع مذهبه بشورى ولم يستبد بوضع المسائل بنفسه ، وإنّما كان يلقيها على أصحابه مسألة مسألة فيعرف ما كان عندهم ، ويقول ما عنده ويناظرهم حتّى يستقرّ أحد الأقوال فيثبته أبو يوسف حتّى أثبت الأصول كلّها . وكان أبو حنيفة أوّل من دوّن الفقه ورتّب أبوابه ثمّ تابعه مالك بن أنس في ترتيب