المنجي بوسنينة

345

موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين

ولعلّ أهمّ سمة في شخصية هذا الإمام أنه كان قطبا في مشاغل العلماء واهتماماتهم ممّن عاصره أو جاء بعده من مناصريه أو من المعترضين على فقهه ، ولم يشغل إمام من الأيمّة الأعلام حيّزا في أحاديث الناس وتعليقاتهم ما شغله هو ، بل لا يكاد يوجد أحد ممّن علم الشريعة أو تفقّه فيها ، ولم يكن له موقف منه بالمساندة أو المعارضة ، حتّى العوام منهم ، وكان له زيادة على ذلك مواقف مع أهل السياسة والنفوذ ، وكذلك مع الخوارج والزنادقة وأهل البدع ممّا لا يخفى ، وأثاره مرتسمة في الفقه الإسلامي ، مؤثّرة في توجهاته شكلا ومادّة ، وقد اعتنى علماء التشريع والتراجم والآثار بذكر أخباره ونوادره ، وهو أوّل من قنن الرأي وضبط مسالكه بعد أن كان مرسلا ، واجتهد أن يبني صرح الأحكام على تعقّل المعاني واعتبار مفاهيمها والربط بين عللها ، محاولا بذلك أن يجعل الأحكام وحدة تشريعيّة ، يمكن بعد ذلك استخلاص أصول وقواعد هي مراجع للفقهاء في الاجتهاد . والظاهر أنّ سمته العقلية في تحليل قضايا الشريعة هي التي كوّنت مجال النقد لفكره فقد قال فيه سفيان بن عيينة : « ما زال أمر الناس معتدلا حتّى غير ذلك أبو حنيفة بالكوفة ، وعثمان البتي بالبصرة ، وربيعة الرأي بالمدينة » ، فهؤلاء في نظره أوّل من فتح باب الرأي وعول عليه واعترض بالقياس على حديث رسول الله [ ابن حزم ، الإحكام ، 2 / 56 ] . ولعلّ كثرة اعتماده على القياس ، والتصريح بالاستحسان في الشريعة حملت منتقديه على التلوم عليه لأجل ذلك ، خصوصا إذا رأوا في هذا الاجتهاد مخالفة للنصوص ، قال الأوزاعي : « إننا لا ننقم على أبي حنيفة أنه رأى ، كلنا يرى ، ولكنّنا ننقم عليه أنّه يجيئه الحديث عن النبي فيخالفه إلى غيره » [ ابن قتيبة ، تأويل مختلف الحديث ، ص 52 ] . ولكن الذين رووا عنه ووثقوه وأثنوا عليه أكثر من الذين تكلّموا فيه ، والذين تكلّموا فيه غالبيّتهم من أهل الحديث ، أكثر ما عابوا عليه الإغراق في الرأي والقياس ، وقد جاء عن الصحابة رضي اللّه عنهم من اجتهاد الرأي والقول بالقياس على الأصول عند عدمها ما يطول ذكره . ويظهر أنّ أبا حنيفة كان شديد التعجّب ممّا يتداول على ألسنة الناس من أنّه يأخذ بالرأي ويترك الأثر ، ولذلك قال للمنصور لما لامه على تقديم القياس على الحديث : « ليس الأمر كما بلغك - يا أمير المؤمنين ، إنّما أعمل أوّلا بكتاب الله ثمّ بسنة رسول الله ثمّ بأقضية أبي بكر ، وعمر ، وعثمان ، وعلي رضي اللّه عنهم ، ثمّ بأقضية الصحابة ، ثمّ أقيس بعد ذلك إذا اختلفوا ، وليس بين الله وبين خلقه قرابة » . فهذا منهجه في ترتيب الأصول النقلية التي بنى عليها مذهبه ، الكتاب فالسنة فالإجماع فقول الصحابي ، أما قول التابعي ، فلا يقوم عنده كأصل في التشريع ، لأنّهم فقهاء كغيرهم لا يمثّلون مرجعيّة فقهيّة ملزمة فإن لم يجد في هذه الأدلّة أحكاما مفصّلة ، واحتاج الأمر إلى إعمال النظر بالاجتهاد لم يجد أسلم من القياس لإمضاء الأمور عليه لأنّه رجوع إلى الدليل بالنظر في معناه ، واستفادة المناسب الذي بني عليه الحكم ، فإذا قبح القياس ، بأن وجد مانع صارف عن استعماله التجأ إلى