المنجي بوسنينة
336
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين
جوادا كريما ممدحا ، يقرّب إليه الشعراء ، وينفحهم بأعطياته الجزلة ، وقال فيه ابن النطاح مدائح ، ونال من صلاته الكثير ، وله معه أخبار ، من ذلك أنّه أنشد أبا دلف قصيدته التي يقول فيها : هنيئا لإخواني ببغداد عيدهم * وعيدي بحلوان قراع الكتائب فقال فيه : إنّك لتكثر الوصف لنفسك بالشجاعة ، وما رأيت لذلك عندك أثرا قط ، ولا فيك ، فاعتذر إليه بأنّه حاسر أعزل لا يملك عدّة الفارس ، فأعطاه ذلك ، فأخذه وامتطى فرسه ، وخرج ، فصادف مالا لأبي دلف محمولا إليه من بعض ضياعه ، فاستولى عليه ، وأصاب من يحمونه بجراحات ، وانهزموا ، فلما بلغ خبره أبا دلف قال : نحن جنينا على أنفسنا ، وقد كنا أغنياء عن إهاجة أبي وائل ، ثم كتب له بالأمان ، وسوّغه المال ، ولم يزل معه يمدحه حتّى وفاته . وبعض أخباره معه مبسوطة في الأغاني . واتصل أيضا بمعقل بن عيسى العجلي ، وهو أخ لأبي دلف ، وكان ردءا لابن النطاح يخلصه ويقف دونه إذا أحدث حدثا أو جنى جناية في عمل أبي دلف ، ولما مات رثاه ابن النطاح رثاء صادقا . وممن اتصل بهم من رجالات الدولة العباسيّة وولاتها يزيد بن مزيد الشيباني ، وقرّة بن محرز الحنفي ، ومالك بن طوق التغلبي الذي بنى بلدة الرحبة بمساعدة الرشيد ، ونسبت إليه ، ومالك بن علي الخزاعي ، أحد ولاة البصرة في عهد الرشيد ، وخربان بن عيسى ، وله معهم أخبار ، وقال فيهم مدائح ، ورثى من مات منهم في حياته ، كمالك بن علي الخزاعي ، الذي رثاه بعدة قصائد جياد ، حينما مات إثر ضربة على رأسه وهو يقاتل الخوارج الشراة ، وكان ابن النطاح يقاتل معه ، وأبلى في المعركة بلاء حسنا . وكان يعاشر أمثاله من الشعراء ويتصل بهم في مجالسهم ، ويشاركهم في مطارحة الشعر وفي رواية الأخبار والنوادر ، كأبي العتاهية ، والعباس بن الأحنف ، ومنصور النمري ، والعتّابي . ولما قال قصيدته اللامية التي يفخر فيها بشجاعته وقومه غضب عليه الرشيد وقال ليزيد ابن مزيد الشيباني : هذا جلف من أجلاف ربيعة عدا طوره وألحق قريشا بربيعة فاتني به ، فأعطاه يزيد ألفي درهم ، وأسقط اسمه من الديوان ، وأمره أن يستتر ما دام الرشيد حيّا ، فلما مات الرشيد ظهر ، وقربه يزيد وزاد في عطائه . وذكر في الأغاني أنّه كان بخيلا ، زاره يوما عبّاد بن الممزّق ، فقدّم إليه خبزا يابسا قليلا بلا أدم ، ورفعه من بين يديه قبل أن ينال كفايته ، فقال عباد يهجوه : من يشتري منّي أبا وائل * بكر بن نطّاح بفلسين ؟ كأنّما الآكل من خبزه * يأكله من شحمة العين وأمّا عام وفاته فلا يعرف على وجه الدقة ، فالزركلي في « الأعلام » ذكر أنّه توفي عام 192 ه / 808 م ، اعتمادا على ما ورد في البداية والنهاية ، لابن كثير ، وليس هذا صحيحا ؛ لأنّ هارون الرشيد غضب عليه