المنجي بوسنينة
317
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين
هذا المجال بدراسات عميقة أثبت بها أنه لا يوافق الحقيقة ما أشيع عن الحنابلة من أنهم يبالغون في تشبيه الله ، وأن نزعتهم سلفية صارمة لا تقوى على الحياة ، وتسودها روح الصرامة والتعصب ويفتقرون افتقارا أساسيا إلى القدرة على التكيف الاجتماعي ، وهم عاجزون باستمرار عن قبول النظام القائم . وتبع مذهب أحمد بن حنبل كثير من الناس في العراق والشام والحجاز إلى المائة التاسعة ، ولم يزل لهذا المذهب أتباع بعد ذلك حتى جدده محمد بن عبد الوهاب وبعث فيه نسمات غضة من الحياة في نجد . كانت ملامح النبوغ ظاهرة على أحمد بن حنبل ، فقد بدأ يسمع الحديث ببغداد وهو ابن ست عشرة سنة . وفي العشرين من عمره أخذ يطوف بالبلاد في طلب العلم . وقد توقع الهيثم ابن جميل نبوغه مبكرا فقال : إن عاش يكون حجة على أهل زمانه . وقد جاء عنه قوله : « طلبت الحديث وأنا ابن ست عشرة سنة ، ومات هشيم وأنا ابن عشرين سنة . . وكتبنا عنه كتاب الحج نحوا من ألف حديث ، وبعض التفسير ، وكتاب القضاء ، وكتبا صغارا تتجاوز ثلاثة آلاف حديث » ، بيد أنه يقول في موضع آخر : « أول ما طلبت الحديث ذهبت إلى أبي يوسف القاضي ثم طلبنا بعده فكتبنا على الناس » ، ويظهر أن علاقته بأبي يوسف قد استمرت طويلا حتى أنه كتب عليه ثلاثة قماطر من العلم في ثلاث سنوات . وكانت علاقته به متينة حتى أنه كان يفضله على أبي حنيفة ومحمد بن الحسن الشيباني ويقول : « وكان أبو يوسف أميل إلينا من أبي حنيفة ومحمد » . كان أحمد بن حنبل مجتهدا مطلقا ، أي صاحب ملكة كاملة في الفقه والنباهة وفرط البصيرة والتمكن من الاستنباط المستقل به من أدلته . وكان جليلا عند العلماء ، ونبيلا عند المحدثين والفقهاء ، وقد كرّس نفسه وحياته للعلم والمعرفة والارتفاع عن صغائر الأمور ، والسموّ عن أمور وجاذبية الدنيا بحيث قال عنه أبو داؤود السجستاني : « لقيت مائتين من مشايخ العلم ، فما رأيت مثل أحمد بن حنبل ، لم يكن يخوض في شيء مما يخوض فيه الناس من أمر الدنيا ، فإذا ذكر العلم تكلم » . وقد تمتع بذاكرة قوية وكانت حافظته جلية . فقد جاء عنه قوله : حفظت كل شيء سمعته من هشيم ، وهشيم حي قبل موته . وجاء عن عليّ المديني قوله : « ليس في أصحابنا أحفظ من أبي عبد الله أحمد بن حنبل . إنه لا يحدث إلّا من كتابه ، ولنا فيه أسوة حسنة » . ويتضح أن ابن حنبل قد نال تقدير وإعجاب معاصريه من العلماء والفقهاء الذين شهدوا بعلمه الغزير وورعه وتقواه ، فقد قال عنه مهنا ابن يحيى الشامي : « ما رأيت مثل أحمد بن حنبل في علمه وفقهه وزهده وورعه » . وقال قتيبة بن سعيد : لولا أحمد بن حنبل لمات الورع ، وكان متواضعا يكره أن يتخطى الناس في مجلس ، وعرف بالأمانة والعفة والتصدي للترف ، وصبر على الفقر وكان يردد « إذا لم يكن عندي قطعة خبز أفرح » وإلى هذا كان مهيبا جليل القدر ، فقد قال أبو عبيد القاسم بن سلام : « جالست أبا يوسف القاضي ومحمد بن الحسن ويحيى بن سعيد