المنجي بوسنينة

307

موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين

كان جورج حنا ماسونيا لفترة طويلة ثم ارتدّ عنها ، وعن سبب ارتداده يقول : « إنه ما دامت الماسونية مقتصرة على البرّ والإحسان والتبشير بالفضيلة والأخوة الإنسانية والمناقبية ، وليس في أعمالها شيء من الإيجابية العملية ، ولا شيء يمتّ للسياسة وشؤون الحياة بصلة أو يمتّ إلى الثورة الاجتماعية ( الثورة الفكرية على الأقل ) فلن أرى أي موجب لابقائها حركة سرية . فلتكن إذن كسائر جمعيات البرّ والإحسان ، ذلك خير لها وأبقى [ الحارثيات ، الماسونية بين حياتها وواقعها ، ص 7 - 20 ] . وقد نادى بالعلمانية وطالب بإلغاء الطائفية التي نصّ عليها الدستور اللبناني ، وبجعل الفوز بالمناصب الحكومية والخاصة للأهلية العلمية أو التقنية ، لا للأهلية المذهبية الموروثة من تقاليد الشرق القديم البالية وهي علّة العلل . ورأى في الطائفية « خطرا على لبنان سياسيا واجتماعيا واقتصاديا ومصيريا » ، وأن الوسيلة الوحيدة لالغائها وتطهير النفوس منها هي « شطب النص عليها في القوانين والدساتير » [ الحارثيات ، علمنة الدولة ، 1946 ، ص 365 - 368 ] . ومع أنه ينادي بالعلمنة إلا أنه ليس ضد الدين يقول : « لا يحسبنّ أحد أننا نتعرض للدين باعتباره رسالة سماوية تهذب الروح وتحمل المثل العليا . . إن الدين شيء والطائفية شيء آخر . . نحارب الطائفيين دون أن نتعرض لصلب العقيدة الدينية » [ من المقالة نفسها علمنة الدولة ] . واكتشف جورج حنا وهم ما كان يتعلمه - ويعلمه أحيانا - في المحافل من أن الماسونية تتطلع إلى أن تنصهر الطوائف كلها في بوتقة إنسانية دينها المحبة فيعيش تحت سقف واحد : المسيحي ، والمسلم ، والدرزي ، واليهودي ( الإسرائيلي ) . . ذلك أن اليهود لم يتقيدوا في ممارستهم بهذه المثاليات ، لا بل أفصحوا عن شهوانيتهم العدوانية في بروتوكولاتهم المشهورة . ولذلك يعلن على رؤوس الأشهاد « لو كنت يهوديا لمزّقت بيدي بروتوكولات صهيون . . ودعوت بني قومي إلى محبة الإنسان والتعايش مع سائر الناس » [ الحارثيات ، ص 135 ] . ويقول أيضا : « لو كنت يهوديا . . بيّنت لهم أيضا أن جزيرة معادية في قلب قارة عربية مكتوب لها الفناء ، إذا استمرواهم في نظرتهم العدائية التي رسختها فيهم التعاليم الصهيونية » [ الحارثيات ، ص 136 ] . وهو إذ يتشبث بمبادئ الماسونية المثالية القائمة على الإخاء والمحبة والمساواة ، يدعو اليهود إلى التخلي عن أطماعهم بموطن شعب آخر لأن الأرض ملك للجميع وهم إخوة على صعيدها كلها لا على جزء منها ، حتى لو وطئته أقدامهم لحين ، منذ آلاف السنين . ويقول : « لو كنت يهوديا . . لاعتبرت هذا البلد بلدي بالذات ( فلسطين ) ، وأخلصت له كأخلص أبنائه ، وعايشت شعبه معايشة أخوية إنسانية . . وبذلت من مالي وروحي ما يؤهلني لأن أعيش مواطنا إنسانيا فاضلا في عالم إنساني فاضل » [ الحارثيات ، ص 137 ] . من هنا إصراره على اليهود أنفسهم أن يتخلوا عن الصهيونية عقيدة ويلتزموا اليهودية دينا سماويا مثاليا ، ويأخذوا الماسونية كما كانت عند نشأتها الأولى زمن الملك سليمان نقية