المنجي بوسنينة
29
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين
ومبادرا حتى سمي « أبا التربية » في العراق . ولكنه واجه مقاومة شديدة من بعض زعماء الطوائف الدينية والأقليات العرقية في سعيه إلى فرض نظام تعليمي موحد تشرف عليه الدولة ، فاستقال من إدارة المعارف سنة 1927 . وانتقل إلى دار المعلمين في بغداد حيث درس فيها أربع سنوات ( 1928 - 1932 ) ، وأصدر « مجلة التربية والتعليم » خلال هذه المدة . وتولى بعد ذلك عمادة كلية الحقوق حتى سنة 1935 . وكان عيّن سنة 1934 مديرا للآثار العامة بالإضافة إلى منصبه السابق ، ثم تفرغ لإدارة الآثار بين سنتي 1936 و 1941 ، برهن خلالها على مقدرة فائقة حتى أن عصبة الأمم عينته عضوا في لجنة الخبراء الاستشارية للمكتب الدولي للمتاحف . وقام بجولات خلال هذه المدة إلى إسطنبول والقاهرة ومراكش والجزائر وتونس في مهمات تتصل بالآثار . ومنذ أن استقل العراق ودخل في عصبة الأمم سنة 1932 ولعقد من الزمن ، غدت بغداد موئلا لأحرار العرب ومثقفيهم ومنارة للفكر القومي العربي . ولا عجب أن ينغمس الحصري في العمل القومي خلال هذه المدة ، فواصل إلقاء المحاضرات العامة ونشر المقالات الصحيفة وإلقاء الأحاديث الإذاعية دون انقطاع ، حتى ذاع صيته مدافعا عن العروبة في مختلف أرجاء الوطن العربي . أيد الحصري الانقلاب العسكري الذي جاء برشيد عالي الكيلاني رئيسا لوزراء العراق في نيسان / ابريل 1941 ، ولما قضي على الانقلاب بعد شهر من قيامه ، جرّد الحصري من جنسيته العراقية ، وأبعد إلى حلب في سوريا ، ومنها انتقل إلى بيروت حيث أقام فيها ثلاث سنوات . ثم دعته الحكومة السورية سنة 1944 للعمل مستشارا في وزارة المعارف ، لإصلاح نظامها التعليمي . قبل الحصري الدعوة ، وقدم ستة عشر تقريرا عن حالة التعليم في سوريا تضمنت اقتراحات لإصلاحها . ومن اقتراحاته تعريب التعليم في سوريا تعريبا كاملا . وكأي عمل إصلاحي لا بد أن تتضرّر منه فئات معينة ، لذلك قامت مظاهرة في دمشق في تشرين الثاني / نوفمبر 1946 ، تندد بإصلاحات الحصري التربوية ، فما كان منه إلا أن استقال من عمله ، وإن كانت الحكومة السورية قد التزمت بالإصلاحات التي اقترحها . رحل الحصري إلى القاهرة حيث أقام فيها سنة 1947 ، وعمل مستشارا لدى اللجنة الثقافية في جامعة الدول العربية ، وحاضر في جامعة القاهرة عن القومية العربية والتربية . وعين أول مدير لمعهد الدراسات العربية العالية التابع لجامعة الدول العربية في القاهرة سنة 1953 ، وبقي في منصبه هذا حتى سنة 1957 . وانقطع بعد ذلك للتأليف والكتابة حتى وفاته سنة 1968 . تأثر الحصري بالمفكرين الأوروبيين في القرن التاسع عشر من خلال إلمامه باللغة الفرنسية واستلهم أفكاره القومية من المفكرين القوميين الرومنسيين الألمان أمثال : آرندت Arndt وهردر Herder وهيغل Hegel وفخته Fichte الذين أعطوا اللغة والتاريخ والتربية القومية المقام الأول في تكوين الأمة . واستلهم أفكاره في التربية والتعليم والإصلاح الاجتماعي من المفكرين الليبراليين الفرنسيين أمثال : غوييه