المنجي بوسنينة

267

موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين

ولا يسع المرء إلا أن يتساءل عن كيفية اعتبار هذه العملية الذهنية المحض ظاهرة بديعية ، في حين أن مفهوم الظاهرة في هذا السياق إنما يعني خاصية أسلوبية ذات كيان محسوس في بناء العبارة وصياغتها . ولو أن الحملاوي تحرر من قبضة التبعية المطلقة لكل ما هو موروث ، والتسليم به ، والإذعان له لا ستبعد مثل هذه الظاهرة وما كان على شاكلتها مما يقوم على التمحل والتكلف ، أو يشوبه التداخل مع ظواهر أخرى ، ولا اختلاف بينها إلا في الاسم فقط ، أما الجوهر والمضمون فواحد . والواقع أن هذه النظرة التقليدية للرجل ، المحكومة بالدوران في أفق الموروث البلاغي لا تقتصر على دراسته لظواهر علم البديع ، وإنما تشمل كذلك علمي المعاني والبيان وإن كانت أكثر ظهورا في البديع . فلم يحاول أن يناقش بعض الأفكار التي قال بها أولئك العلماء المتأخرون في أيّ من علمي المعاني والبيان ، بل إنه لم يستطع أن يخرج في استشهاداته الشعرية في مباحث العلوم الثلاثة جميعا عما تناقله مؤلفو تلك العصور المتأخرة ، وقد كان بين يديه - عند إعداد الطبعة الثانية للكتاب التي ظهرت في عام 1915 م والتي نوه على غلافها بما أجرى فيها من تنقيح ، وما أضاف إليها من زيادات - أشعار شوقي ، وحافظ إبراهيم ، وخليل مطران ، والعقاد ، وشكري ، ومع ذلك لا نصادف نماذج من شعر أي شاعر منهم . على أن ذلك لا يغضّ من جهد الرجل وعطائه العلمي ، فقد كان متوائما مع المناخ العام للعصر ، وطبيعة التطور الفكري والتعليمي السائدة في ذلك الوقت . وكان من نتاج عمله بالتدريس في مدرسة دار العلوم أيضا كتاب في علم آخر من علوم اللغة العربية التي عهد إليه بتدريسها ، ذلك هو علم الصرف . وقد جاء عنوان الكتاب مسجوعا كذلك كنظيره السابق في البلاغة فهو « شذا العرف في فن الصرف » ، وصدر فيه عن المنهج الفكري نفسه الذي صدر عنه في « زهر الربيع » ، فهو يمثل خلاصة فكر علماء اللغة والنحو في علم التصريف استوعبه المؤلف من مصادره الأساسية ، وصاغه بأسلوبه في عبارات مركزة ، تضم القواعد الصرفية وأمثلتها الموضحة لها . ولا يخلو هذا الضرب من التأليف من مزية ، فهو يستحضر المعرفة العلمية المعينة في حيز محدود ، لكنها مزية تحمل في باطنها جانبا سلبيا ، إذ تكون وجازة العبارة عاملا قويا في استظهارها ، على نحو يرهق الذاكرة ويجهدها ، ولا يترك للقارئ فرصة للتأمل والفهم والمراجعة . والكتاب يشتمل - فيما عدا المقدمة التمهيدية الخاصة بتحديد معنى الصرف ، وتقسيم الكلمة والميزان الصرفي - على ثلاثة أبواب رئيسية : الأول عن الفعل وما يتصل به من حيث الزمن ، والصحة والإعلال ، والتجرد والزيادة . . . . الخ . ، والثاني عن الاسم فيتناوله من جوانب متعددة على غرار ما فعل بالفعل من حيث الجمود والاشتقاق والتذكير والتأنيث . . . . . الخ . والثالث عن أحكام تعم كليهما مثل حروف الزيادة ومواضعها وأدلتها وأنواعها والإعلال والإبدال وأنواعهما ، والإدغام . . الخ . وتحت كل باب من هذه الأبواب تقسيمات فرعية ، وفصول وتنبيهات حاول بها المؤلف أن يضبط المادة العلمية