المنجي بوسنينة

256

موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين

ابن الحمصي ، شهاب الدين أحمد بن محمد ( 841 ه / 1437 م - 934 ه / 1527 م ) شهاب الدين أحمد بن محمد بن عمر الشهير ب « ابن الحمصي » ، أصله من حمص ، ولد وتوفّي بدمشق . ويمكن استخراج سيرته وأعماله من ثنايا كتابه الذي وصلنا : « حوادث الزمان ووفيّات الشيوخ والأقران » ، فهو يتضمّن معلومات كثيرة قيّدها في مواضع متفرّقة أثناء الحوادث والأخبار والوفيّات ، وهي في معظمها وردت عرضا ، أو ملحقة بأخبار أخرى ، لكنّها تغطّي مراحل من سنّي حياته الطويلة التي امتّدّت ثلاثا وتسعين سنة ، وترسم لنا تصوّرا واقعيّا عن نشأته ، وتربيته ، وسلوكه ، وثقافته الدينيّة ، ومعارفه الفكريّة والأدبيّة ، وعلاقاته ، وخلقه ، ومكانته في مجتمعه ، ومستوى معيشته ، ووظائفه ، ومناصبه ، واهتماماته وأسفاره ، ومشاركته في الأحداث . ويمكن القول إنّ ابن الحمصي يزاحم قرينيه ومعاصريه : ابن طولون الدمشقي في الشام ، وابن إياس في مصر ، بل إنه يتميّز عنهما بأنّه انتقل من دمشق إلى القاهرة وأقام فيها عشر سنين ، فأرّخ لأحداثها شبه اليومية ، كشاهد عيان ، ومشارك أحيانا ، إذ كان واحدا من المتردّدين على مجلس السلطان بقلعة القاهرة ، ومن جملة العلماء والخطباء المفضّلين لدى السلطان « الغوري » ، وعاد إلى دمشق فواصل التدوين التأريخي . وعلى العكس من ذلك ، فإنّ ابن إياس بقي مقيما في مصر ولم يسافر إلى دمشق أو إلى أي بلد غيرها من بلاد الشام ، ولذا جاء كتابه « بدائع الزهور » - على أهمّيته - يكاد خاصّا بتاريخ مصر ، ولم يستحوذ من تاريخ بلاد الشام إلّا على النزر اليسير ، وكذلك هو الحال عند ابن طولون ، فهو لم يسافر إلى مصر ليدوّن أخبارها ، ولهذا جاء كتابه « مفاكهة الخلّان » خاصّا - إلى حدّ بعيد - بتاريخ دمشق أوّلا ، وبلاد الشام ثانيا . ومن هنا تأتي أهمّية « تاريخ ابن الحمصي » الذي أرّخ فيه للشام ومصر بقدر متوازن تقريبا ، وبحياديّة تامّة ، فلم ينقل من كتب غيره من السابقين أو المعاصرين ، وأثبت أنه أحد عمالقة المؤرّخين الذين ردموا الهوّة الواقعة بين أواخر سلطنة المماليك ، وبدايات الحكم العثماني في بلاد الشام ومصر ، فجاء كتابه مصدرا أساسيّا عن تلك الفترة التي لم يعايشها إلّا ثلّة قليلة من المؤرّخين ، بخلاف ما كان عليه الحال في المراحل الأولى من العصر المملوكي ، حيث المؤرّخون الكبار لموسوعاتهم الضخام . وقد أشار في مقدّمة كتابه إلى أنه جمع فيه الحوادث والوفيّات اعتبارا من تاريخ مولده سنة 841 ه مفصّلا في كلّ سنة على ما وقع له وحرّره وشاهده واعتمده ، وأنّه يحسن أن يكون ذيلا على تاريخ ابن حجر العسقلاني