المنجي بوسنينة

222

موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين

وأظلم جانب الدنيا وعادت * وجوه المركهات وهنّ سود أما منزلته العلمية ومكانته الاجتماعية فقد كان كبير المحل من أهل الرياسات بالموصل ، ولم يكن بها في وقته من ينظر إليه ويفضل في علوم سواه ، متقدما في الفقه ، قويا في النحو فيما يكتبه ، عارفا بالكلام والجدل ، مبرزا فيه ، حافظا لكتب اللغة ، راوية للأخبار ، بصيرا بالنجوم ، عالما مطّلعا على علوم الأوائل ، عالي الطبقة منها ، وكان صديقا لكل وزراء عصره ، مدّاحا لهم آنسا بالمبرد وثعلب وأمثالهما من علماء الوقت ، وكانت له ببلده دار علم قد جعل فيها خزانة كتب من جميع العلوم وقفا على كل طالب للعلم وكان يجتمع إليه الناس فيملي عليهم من شعره وشعر غيره . نظم في أغراض الشعر المختلفة وكان المدح طاغيا على موضوعه الشعري لعلاقاته الواسعة بأصحاب الرياسة والوزراء الخلفاء . وله قصيدة تتضمن مئة وخمسين بيتا فيها بعد مدح الخليفة المعتضد ، يشكو من أهل الموصل لما ناله منهم ، ثم يذكر ما يحسن من العلوم الدينية والأدبية ، ويتمثل بثعلب والمبرد وأمثالهما ، ويدّعي معرفته إقليدس وأشكاله بقصيدة أولها : أجدّك ما ينفكّ طيفك ساريا * مع الليل مجتابا إلينا الفيافيا يذكرنا عد الحمى وزماننا * بنعمان والأيام تعطى الأمانيا وله قصيدة يمدح فيها القاسم بن عبيد الله يبدؤها متغزلا بقوله : ما شأن دارك يا ليلى نناجيها * فما تجيب ولا ترعى لداعيها إنا عشيّة عجنا بالمطي بها * كنا نحييك فيها لا نحيّيها وكان عفيفا في اختيار ألفاظ غزله ، وربما كان هذا بتأثير العلوم الدينية التي أتقنها وثقافته الواسعة التي قد تركت آثارها واضحة على اتجاهه هذا ، ومثال ذلك قوله : تمكّن حب علوة من فؤادي * وملّك أمر غيّي والرشاد فوالى بين دمعي والمآقي * وعادى بين جفني والرّقاد وله شعر يصف الليل وموضوعات أخرى أوردها صاحب معجم الأدباء يعبّر عن حكم وتجربة في إدراك الحياة . ويمكن للمرء ألّا يجانب الصواب ، حين يقرر أن هذا الشاعر المثقف ، يقدم الدليل العملي على الحيوية الفنية والمهارة الشعرية وغزارة المعرفة التي تشكل في نسيج فريد ، يبرهن أن الموهبة الشعرية ، تسمو وترتفع إذا كان الشاعر عالما ، عارفا ، يمتلك ثقافة موسوعية يستطيع أن يوظفها في بنائه الفني . وذلك كان شأن الشاعر جعفر بن محمد بن حمدان الموصلي ، الذي أحسن الجمع بين الفن وبين العلم ، وعبّر عنهما بمقدرة عالية ، جعلته يقف بثقة بين شعراء عصره ومثقفي مرحلته التاريخية ليكون أحد الشعراء المميزين ، وأحد المثقفين البارزين آنذاك . وقد كان شاهدا على عصره عبر شعره من ناحية ، وعبر إسهامه في التأليف في مجال التاريخ الأدبي من ناحية أخرى ، وذلك دور فاعل يؤشر لصالحه بالتأكيد .