المنجي بوسنينة

200

موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين

حمّاد عجرد ، وحمّاد بن الزبرقان ، وحمّاد الراوية ، وكانوا يتنادمون على الشراب ويتناشدون الأشعار ، وكلّهم كانوا متّهمين بالزندقة . لقّب حمّاد بالراوية لمحفوظه من الشعر وروايته له ، وقد سأله الخليفة الوليد بن يزيد : بم استحققت هذا اللقب فقيل لك الراوية ؟ فقال : لأنني أروي لكل شاعر تعرفه يا أمير المؤمنين ، أو سمعت به ، ثمّ أروي لأكثر منهم ممّن تعرف أنّك لم تعرفه ولم تسمع به ، ثم لا أنشد شعرا قديما ولا محدثا إلّا ميّزت القديم منه من المحدث . فسأله الوليد : كم مقدار ما تحفظ من الشعر ؟ فأجاب : أحفظ الكثير ، وأنا أنشدك على كل حرف من حروف المعجم مائة قصيدة كبيرة - سوى المقطعات - من شعر الجاهليّة . فقال له الوليد : سأمتحنك . وأمره بالإنشاد ، فما زال ينشده حتّى ضجر الوليد ، فوكّل به من يسمعه . فيقال إنه أنشد ألفين وتسعمائة قصيدة للجاهليين ، فأمر له الوليد بمائة ألف درهم . وقد لا تخلو هذه الأخبار من مبالغة في مقدرة حماد على حفظ الشعر ، ولكن من المحقق أنه كانت له ذاكرة قويّة تسعفه في حفظ الكثير من قصائد الشعر . اتّصل حماد بملوك بني أميّة الذين عاصرهم ، وكان منقطعا في أوّل أمره إلى يزيد بن عبد الملك ( 101 - 105 ه ) ، فلمّا توفّي يزيد وأفضت الخلافة إلى هشام بن عبد الملك ( 105 - 125 ه ) خاف حمّاد أن يناله منه شرّ لانقطاعه إلى أخيه يزيد قبله ، فتوارى سنة في بيته ، ثمّ خيّل إليه أنّ هشاما قد غفل عنه ، فدخل مسجدا لصلاة الجمعة ، فلمّا فرغ منها إذ شرطيان يقدمان عليه ويطلبان إليه المثول بين يدي والي العراق خالد بن عبد الله القسري ( وفي بعض الروايات يوسف بن عمر الثقفي ولكن هذا لا يصحّ لأنّ هشام بن عبد الملك ولّاه العراق سنة 121 ه ) ، فلمّا وقف بين يديه قرأ عليه كتابا من الخليفة يطلب إليه إحضار حمّاد مكرّما ووصله بمال ، فلمّا قدم حمّاد على هشام سأله عن قائل بيت من الشعر خطر بباله ولم يعرف قائله ، فأخبره حمّاد باسم الشاعر وأنشده تمام الأبيات ، فأعجب هشام بسعة حفظه ووصله بمال وأهداه جاريتين . ثمّ اتّصل بعد هشام بالوليد بن يزيد ، فقد استدعاه من الكوفة واستنشده ما يحفظه من الشعر ، فأنشده ، فأعجب به الوليد ، وأجزل صلته . فلما دالت دولة بني أميّة وتولّى بنو العباس زمام الخلافة ، تضاءلت مكانة حمّاد لديهم ، ومع ذلك نجد له أخبارا مع المنصور ثمّ مع ابنه المهدي ، وفي زمنه افتضح أمر حمّاد في انتحال الشعر ووضعه ، فقد جمع المهدي بينه وبين المفضّل الضبي الراوية الموثوق بصدقه ، فنحل - فيما يذكرون - حمّاد زهيرا أبياتا زعم أنها مقدمة قصيدته التي يقول منها : دع ذا وعدّ القول في هرم * خير البداة وسيّد الحضر فأنكر المفضّل مقالته ، واستحلفه المهدي أن يصدقه ، فأقرّ أنّ الأبيات المضافة إلى القصيدة هي من وضعه ، فأعلن المهدي كذب حمّاد على الناس . وقد اتّهم المفضّل الضبّي حمّاد بوضع الشعر وانتحاله فقال : « قد سلّط على الشعر من حمّاد