المنجي بوسنينة

190

موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين

رشيق ونقده : « ولست أحارب زعماء المذهب القديم في الأدب لأنهم قدماء كما ادّعي ذلك عليّ ، وإنما أريد أن أكتب بحريّة عن القدماء ولو كساهم القدم ومرور العصر حلّة من القداسة ، لأنّنا لا نقول بنظرية تقديس القدامى أو نظرية القائلين : « ما كان أصحّ علم من تقدم ! » ، لأنها نظرية لا تولّد إلّا العقم والجمود » [ في الأدب التونسي ، 221 ] . وإذا ما توافرت هذه الحرية فإن النقد تبعا لسنة التطور يحتم تناول الأدب القديم ، فضلا عن الجديد ، بمناهج حديثة لتتحقق الإضافة النقدية المرجوّة ، والتحرر من التكرار والاجترار لمناهج بليت أساليبها وتكلّست طرقها . وهذا ما عبر عنه في مساجلته السابقة لما قال : « إننا نريد أن نعيد النظر في قيمنا الأدبية الماضية على ضوء ما حصل لدينا من النظريات والمذاهب التي استجدّت خلال ما يفصل بيننا وبينهم من الزمن : فكم من عبقرية مغمورة كشف عنها النقد الحر الحديث ! وكم شخصية ضخّمها القدماء وأظهر النظر الحر فراغها وصفورتها ؟ إن مذهب التقديس يشلّ الأفكار ، ويجمّد العقول : وإن الأدب العربي في تاريخه الطويل لكالمنجم البكر الذي كلّما زدنا فيه بحثا وتنقيبا أخرج لنا كنوزا تكمن في أكداس التراب » [ م . س ، 222 - 223 ] . بهذين الشّعارين ، الحرية والمنهج الحديث ، دخل الحليوي عالم الأدب العربي القديم والحديث على السواء ينقد ويغربل ، يقيّم ويوجه ، يرشد ويدلي برأيه دون مجاملة ومماراة . فالمعري من أحب شعراء العربية لقلبه وأخفهم على نفسه ، وأعلقهم بروحه ، ولا معنى لما يشاع عما في أدبه من تناقض « لأن التناقض من طبيعة أصحاب الأمزجة السوداء » ، ومن تشاؤم لأن تشاؤمه « من النوع الرفيع إذ كان ينطوي على الرحمة » ، ثم إن لزومياته لا خطر من ورائها لأنها تعلّم الإنسان كيف يرتفع عن حقارات الدنيا وضوضائها الفارغة : فحبّها « معناه حب الحقيقة وإيثار الحكمة . . . وحسب الرجل أن يوفّق إلى حمل الناس على التسامي بأنفسهم صعدا ، وحسب الشاعر أن يمدّ قراءه بزاد كهذا الزاد » [ مباحث ودراسات أدبية ، 10 - 20 ] . والحريري هو « إمام كبير من أئمة الأدب العربي » ، و « من مفاخر هذا الأدب وكنوزه الثمينة ، وفي طليعة الذين خدموه خدمة جليلة في عصر بدأت فيه الآداب العربية في التدهور ، وكانت اللغة فيه مهدّدة بالفساد والضعف » [ في الأدب ، 230 ] ، وليس هو من الجناة عليه كما اتهمه بعضهم لأنه في رأيه قد « جعل غاية الأديب الشعوذة اللفظية التي تكتفي بالجعجعة والطنين غير ملتفت إلى التفكير العميق والشعور الصادق [ م . س ] ، بل إن من أبرز ميزاته تطوير فن المقامة وجعله فنا من فنون الآداب العربية التي امتازت بها على كل الآداب [ م . س ، 232 ] ، كما أنه « زيادة على ما في مقاماته من الفوائد اللغوية والصور البيانية قد ابتكر شخصية أبي زيد السروجي ، وهي شخصية تامة واضحة المعالم لا تقلّ روعة وصدقا عن شخصية الطفل غافروش « Gavroche » في رواية البؤساء لهيجو ، أو شخصية « تارتاران » Tartarin للكاتب الفرنسي « دوديه » [ م . س ] . ولا يختلف نقده للمحدثين والمعاصرين عن