المنجي بوسنينة
89
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين
كتاباته . ولعل من أبرزها ذلك البحث الموصول عن « أصل اللغة العربية » ، وكيف نشأت كلماتها وتصاريفها ؛ فاللغة في رأيه كائن حي ، يعتورها التغيير والتبديل . لذا لا بد من التمييز بين الجوهر والعرض . أما الجوهر في العربية فيتمثل في الاشتقاق والقياس . وهو في علم البلاغة ينادي بوجوب النظر في جميع النص ، لا بالوقوف عند الجزئيات . والبليغ البليغ ، في رأيه ، هو الربط بين الاقتصاد على انتباه السامع وبين الاقتصاد على متأثريته [ فلسفة البلاغة ، وكتاب : الخواطر الحسان . . . ] لذا فالبلاغة عنده « غير منحصرة في جيل ولا هي أيضا خاصة بزمان دون زمان ، ولا بمكان دون مكان ، وإن اختلفت وتباينت باختلاف الزمان والمكان . . . » [ فلسفة اللغة العربية وتطورها ، ص 116 ] . وما يسترعي النظر في مبحثه النحوي ذلك الالحاح منه على إعمال الذائقة اللغوية في الترجيح بين أوجه المسألة الواحدة ، وهو ما أشرنا إليه في دراسة كتاب « الخواطر العراب . . . » . ومن أشهر أعماله « الخواطر الحسان في المعاني والبيان » . وهذا الكتاب يحمل رؤية متجددة في علم البلاغة من حيث علاقته بالنقد الأدبي ، وما يعرف اليوم بالمباحث « الأسلوبية » . وقد تمثل ذلك في ما قاله ضومط في مفهوم البلاغة وهو « وجوب النظر إلى جميع النص » . وهي فكرة بالغة الأهمية في مباحث النقد الأدبي ، وبخاصة إذا عرفنا أن البحث البلاغي التقليدي يسقط الضوء على جزئيات ، وينتقل إلى مفهوم ارتباط الجمل في المقطع ، والأخير في المقالة أو الفصل ، والفصول في نسق الكتاب جملة ، وعلاقة ذلك بالوسط الزماني والمكاني ، أو الاستصحاب والعلة والمعلول والغاية والصورة والمادة والوهم والتخيل وسواها . وأما الكاتب البليغ فهو - في رأيه - من أحسن جميع هذه الاعتبارات ، وربط بين جمله وقطعه وفصوله على ما يقتضيه الحال بأنسب الروابط وأدلّها على الغرض المقصود [ ص 22 - 23 ] . وتتجلى قيمة هذا الكتاب ، مع أنه مدرسي ، بخروجه على التقليد ، أو الاكتفاء بتلخيص ما نشر . فهو يصر على تقديم مادة البلاغة بثوب جديد والتأكيد على الجدوى في المصطلح البلاغي وعدم فصله عن مفهوم النقد الحديث . ولسوف يكون هذا تمهيدا لتطور آخر في التعاطي مع البلاغة ووظيفتها ، وسيظهر في كتابه الثاني « فلسفة البلاغة » . ويقوم كتاب « فلسفة البلاغة » على نظرية « الاقتصاد على انتباه السامع ومتأثريته » . وجلي أن ضومط يفيد من أفكار الاقتصادي هربرت سبنسر ، وهو ما أشار إليه الكاتب نفسه [ ص 88 ] . أما الشق الأول من النظرية فيعني « ألّا تلجئ الذهن في انتقاء مفردات جملك ، ولا في تنسيقها وسائر ما يتعلق بها إلى صرف ما هو في غنى عن صرفه من قوة انتباهه لإدراك المعنى المقصود بها » . وأما الشق الثاني « البلاغة في الاقتصاد على متأثريّة السامع » ، فبدءا « لا يقتصر السامع إذا سمع العبارة الكلامية على أن يفهم معناها فقط ، بل هو يفهم معناها ، ويتأثر بها معا » [ ص 143 ] .