المنجي بوسنينة
85
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين
وحدث عنه أعلام التابعين من أقرانه ، أمثال : عطاء بن أبي رباح ، طاووس بن كيسان ، وعكرمة مولى ابن عباس ، وكذلك سليمان بن الأعمش ، وعبد اللّه بن أبي نجيح ، وعمرو بن دينار ، وأبو إسحاق السبيعي ، والليث بن أبي سليم ، وسلمة بن كهيل ، وابن جريح ، وغيرهم . كان مجاهد كثير التنقل والأسفار ، ولا يكاد يسمع بمكان غريب ، أو أعجوبة ، إلا ذهب لرؤيتها . فيقال إنه زار حضرموت ، ومدينة بابل الأثرية ، للاطلاع على معالمها وأعاجيبها . فضلا عن ذلك فقد ساهم في الفتوح الإسلامية في عهد الخليفة معاوية بن أبي سفيان ، لا سيما العمليات الخاصة بافتتاح جزيرتي رودس وأرواد في البحر المتوسط . وبعد إنجاز فتح جزيرة رودس سنة 53 ه / 672 م ، أقام فيها المسلمون نحو سبع سنين في حصن اتخذ لهم . وكان من بينهم مجاهد بن جبر ، الذي أقام فيها يقرئ الناس القرآن . وعلى الرغم من أن الخليفة معاوية كان يقوم بإبدال هؤلاء المرابطين ويغيرهم كل فترة ، إلّا أن مجاهدا ظلّ فيها تلك السنوات ، كما أنه ساهم أيضا في افتتاح جزيرة أرواد ، مع القائد جنادة بن أبي أمية الأزدي سنة 54 ه / 673 م . وسكن مجاهد أيضا في هذه الجزيرة ، وأقرأ بها تبيع ابن امرأة كعب القرآن ، ويقال أن تبيع قرأ عليه في جزيرة رودس [ البلاذري ، فتوح البلدان ، 237 ؛ الطبري ، تاريخ ، 2 / 157 - 163 ] . وبعد وفاة معاوية سنة 60 ه / 679 م ، أمر ابنه يزيد المسلمين بالانسحاب من هذه الجزر ، فرجع مجاهد ، وتنقل في مناطق مختلفة ، وسكن الكوفة ، وزار دمشق عدة مرات . إلى أن توفي في مكة ، وهو ساجد في صلاته ، على أرجح الروايات سنة 104 ه / 722 م ، وقيل سنة 102 ه / 720 م أو 103 ه / 721 م أيضا عن ثلاث وثمانين سنة من عمره . وتشير المصادر إلى بعض تنقلات مجاهد بن جبر ، لا سيما قدومه على الخليفة سليمان بن عبد الملك ، والخليفة عمر بن عبد العزيز في أيامه الأخيرة ، حيث شهد وفاته . وقد حاوره الخليفة ، وطلب منه أن ينقل إليه رأي الناس فيه . وتشير رواية مروان بن معاوية عن معروف بن مشكان عن مجاهد ، التي نقلها الذهبي [ سير أعلام النبلاء ، 4 / 453 ] إلى اطلاع مجاهد بن جبر على تفاصيل المؤامرة التي دبرت لقتل الخليفة بالسم ، واكتشاف الفاعل ، الذي اعترف أمامه وأمام الخليفة باستلامه ألف دينار نظير ذلك ، فسامحه الخليفة وأرجع المبلغ إلى بيت المال . إن مشاركة مجاهد بن جبر ، وحضوره لهذه الأحداث ، يشير إلى أهمية دوره في الحياة العامة ، ولا شك أنه كان لمنزلته وعلمه أثر كبير في علو مكانته لدى بعض الخلفاء الأمويين ، فضلا عن مشاهير علماء الأمة ، أمثال عبد الله بن عمر ، الذي صحبه مجاهد كثيرا . وكان ابن عمر يقدره جدا ، ويمسك بركابه إذا ركب ، ويسوي عليه ثيابه . ورغم شهرته ، واتصاله ببعض الخلفاء الأمويين ، إلا أنه لم يتقلد منصبا عاما ، كالقضاء أو غيره ، وقد وهم ياقوت الحموي في اسم مجاهد بن جبر ، حين أشار في ترجمته إلى استخلافه على خراج مصر من قبل عمرو بن العاص في عهد الخليفة الراشدي الثاني