المنجي بوسنينة

74

موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين

11 - إن الاشتراك والافتراق بين الذات والصفات قضية عقلية وراء اللفظ ، وإنما صيغ اللفظ على وفق ذلك ومطابقته . 12 - فالصفات هي معان موجودة متحققة في ذهن الإنسان ، والعقل الإنساني هو المدرك لها ، وإنه لا وجود لها في الخارج لأنه لا وجود للكليات في الأعيان . وبناء على ما تقدّم ، نلاحظ أن نظرية الأحوال هي بعينها مشكلة الكليات ؛ وقد نحا أبو هاشم الجبائي بها منحى فلسفيا منطقيا ؛ وإن الأحوال نفسها تعالج مسألة شيئية المعدوم ؛ فالصفات عند أبي هاشم الجبائي لا توجد ، ولن توجد بحالها ، أي مستقلة عن الذات ؛ فوحدانية الله لا تقتضي إطلاقا تعطيل معاني الصفات ؛ وقد ميّز أبو هاشم بين المجالين : مجال « الذات » وانتماؤها إلى عالم الأعيان ؛ ومجال « الصفات » وانتسابها إلى الأذهان . ومعنى ذلك ، جاءت نظرية الأحوال لتكون خاتمة حاسمة لمشكلة الذات والصفات عند المعتزلة . [ راجع : صبحي ، المعتزلة ، 318 - 330 ] . أما الاختلافات بين الجبائي الأب وأبي هاشم فلقد اختلف أبو هاشم مع أبيه في مسائل ، منها وقعت في زمان الأخير وهو حي ، وبعضها بعد وفاته . وقد مرّ بنا أن اختلاف الابن مع الأب ، كيف فسّر على أنه مستنكر ؛ لكن الباحث الرصين في هذه المسائل يلاحظ حرية الفكر عند المعتزلة في الردود على بعضهم ؛ ومن هذه الاختلافات : 1 - كان الأب يرى أن صفات الله هي لذاته ؛ ولكن الابن يرى أن صفات الله لما هو عليه في ذاته ؛ أي أن هناك أحوالا أو معاني من أجلها اتصفت الذات بالعلم والقدرة والحياة ، ولا تعلم هذه الصفات إلا مع الذات وبالذات . 2 - ربط الأب الخلق بالتقدير ؛ ولكن أبا هاشم ربط بين الخلق والإرادة لا بالتقدير ؛ إذ إن الخلق فعل ، والفاعل يقتضي إرادة . 3 - ويرى الأب أن اللطف هو فعل الله بخلقه بما هو أصلح لهم في دينهم ؛ ولكن أبا هاشم خالفه في المقارنة بين الإيمان بلا لطف وبين الإيمان مع اللطف . ونلاحظ هناك أيضا اختلافات بين الجبائي الابن وأبيه في موضوعات : التوبة ، والعوض ، والاستحقاق ، والإحباط ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، يمكن مراجعة تفاصيلها عند الأستاذ صبحي [ المعتزلة ، ص 311 - 317 ] . وليس من باب المبالغة القول بأن أبا هاشم الجبائي ، قد تجاوز في تحليله للأفكار ، وإعادة تركيبها أحيانا ، كل المعتزلة السابقين بما فيهم الجبائي الأب . ويبقى كلام أبي الحسن الكرخي ، الذي ينقله ابن المرتضى [ طبقات المعتزلة ، طبقة 9 ] : إن أبا هاشم لم يبلغ غيره مبلغه في علم الكلام . آثاره كان أبو هاشم الجبّائي غزيرا في التأليف ، لكن لم يصل إلينا أي واحد من كتبه . وقد ذكر له ابن النديم عشرة كتب [ الفهرست ، ص 261 ] ، كما أشار لهذه العنوانات أو غيرها الجويني [ الشامل ، ص 471 - 472 ] ، والبغدادي [ الفرق بين الفرق ، ص 116 ] ، والقاضي عبد الجبار [ المجموع من المحيط