المنجي بوسنينة
45
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين
نفس حافظ الذي اقترح عليه ذات مرة متهكّما ، أن يتولّى إلقاء قصائد بقية الشعراء في المحافل ! وإذا كان صوت الجارم قد وسّع من دائرة شهرته ، ونقل بعضا من قصائد شوقي على جناحه ، فإن صوتا آخر أكثر شهرة وعذوبة ، قدّر له أن يصل بشعر الجارم إلى ملايين القلوب والآذان ، وكان ذلك الصوت ، هو صوت أم كلثوم التي التفتت في العشرينات إلى شعر الجارم ، واختارت واحدة من قصائده لكي تغنّيها ، وهي قصيدته التي يقول فيها : ما لي فتنت بلحظك الفتاك * وسلوت كلّ مليحة إلاك يسراك قد ملكت زمام صبابتي * ومضلّتي وهداي في يمناك فإذا وصلت فكلّ شيء باسم * وإذا هجرت فكلّ شيء باك إني أغار من الكؤوس فجنّبي * كأس المدامة أن تقبّل فاك وإذا كان الجارم قد علا شأنه في العشرينات ، في ظل شوقي وحياة شوقي ، فإن رحيل الشاعرين الكبيرين حافظ وشوقي معا سنة 1932 ، قد ترك فراغا هائلا في الحياة الأدبية في مصر والعالم العربي ، ودفع كثيرا من الشعراء لأن يحلموا بملء ذلك الفراغ واحتلال مكان الصدارة . وكان من بين هؤلاء العقاد ، الذي بايعه طه حسين بالفعل بإمارة الشعر 1934 ، وكان من بينهم ، دون شك ، علي الجارم ، الذي طمع دون شك ، في احتلال رقعة أوسع من وجدان الجماهير . وقد واتته الفرصة عندما أنشئت في هذه الظروف 1934 ، الإذاعة اللاسلكية للحكومة المصرية ، وكان علي الجارم أبرز من ظهر صوته على موجات الأثير ، وكان للإذاعة وقع هائل في نفوس الجماهير . واتّسع مجال تأثير صوت الشاعر ، ليتجاوز عدّة آلاف يضمّهم السرادق الكبير ، إلى عدّة ملايين في مختلف أرجاء القطر المصري ، ودفع ذلك الشاعر لأن يطور أدواته الفنية تطويرا سريعا ، فلم تعد قصائده بدوية المفردات ، ولا جاهلية التراكيب ، ولا عباسية المباني والمعاني ، وإنّما أصبحت سلسة تصل بقدر معقول من الجهد إلى نفوس شريحة لا بأس بها من المستمعين . ولفتت رقة شعر الجارم نظراءه من الشعراء الشاميين والعراقيين فأصبحوا يطلقون عليه « بحتري الكنانة » شهادة برقة شعره وعذوبته ، بعد أن كان في قصائده الأولى ، حريصا على الاقتراب من بدوية رؤبة ابن العجاج وأمثاله . والواقع أن عقد الثلاثينات والأربعينات ، شهد شهرة واسعة لشعر الجارم في العالم العربي ، وأصبح من خلال زياراته المتعددة ، مثلا لمجمع اللغة العربية في القاهرة الذي اختير عضوا مؤسسا فيه عند نشأته 1932 ، أو ممثلا للحكومة المصرية ، وكان يعد من كبار رجال التعليم بها ، أو مشاركا في المؤتمرات الثقافية والندوات الشعرية . من خلال هذا كله ، شاعت شهرة الجارم ، واستقبل بالحفاوة والتقدير ، كما كان الشأن في مشاركته في بغداد 1938 ، وإلقاء قصيدة في افتتاح المؤتمر الطبي هي قصيدة « بغداد » : التي ترجمها فيما بعد المستشرق الإنجليزي جون