المنجي بوسنينة
345
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين
الحق الواحد ، وهنا إشارة واضحة من ابن الجلاء إلى رتبة ومقام الفناء ، يقول ابن الجلاء مجملا الحديث عن الأركان الثلاثة للعرفان : « من استوى عند المدح والذم فهو زاهد ، ومن حافظ على الفرائض في أول مواقيتها فهو عابد ، ومن رأى الأفعال كلها من الله عز وجلّ فهو موحد لا يرى إلا واحدا » [ الرسالة القشيرية ، ص 20 ] . يعتقد ابن الجلاء أن الوصول إلى هذه الرتبة ليس بالأمر الهيّن وليس بالمستحيل في الآن نفسه ، ذلك لأنّ شرف الحق وعزته وعلو شأنه أرفع بكثير من أن يدرك السبيل الموصلة إليه كل من هبّ ودبّ ، وفي الوقت نفسه عنايته وقدرته ورحمته ممكنة لكل نفس تواقة بزهدها وبعبادتها وبإرادتها إلى الوصول إليه . فالمسلك ليس سهلا ولكنه ليس بالمستحيل ، يحتاج إلى جهود مضنية وعزائم صادقة وهمم كبيرة تكون قادرة على مواجهة الحيرات التي تعتري قلب المريد واللايقين الذي تسببه المعرفة الظنية ، ومن يركن إلى ظنّه فلن يصل إلى الحق ، لأنه عين اليقين ، أما من يعمل على تجاوز الظنون والقضاء على التحير بتسليم وتفويض الأمر إلى صاحب الشأن فهذا قد تصيبه العناية الإلهية فتوصله إلى الغاية القصوى . يقول ابن الجلاء في هذا الشأن : « من غيرة الحق أن لم يجعل لأحد إليه طريقا ، ولم يؤيس أحدا من الوصول إليه ، وترك الخلق في مفاوز التحير يركضون وفي بحار الظن يغرقون ، فمن ظنّ أنه واصل فاصله ، ومن ظن أنه فاصل مناه فلا وصول إليه ولا مهرب عنه ولا بد منه » [ طبقات الصوفية ، ص 146 ؛ الشعراني ؛ الطبقات الكبرى ، ص 75 ] ، لهذا كلّه يحتاج المريد في الوصول إلى أعلى الرتب والدرجات العرفانية إلى مرشد وإلى العناية الإلهية خاصّة ، ومن يرم الوصول بنفسه فسيفشل أو يبلغ درجة من العرفان ولكن سرعان ما يتدحرج منها ، وهذا ما يكون قد قصده ابن الجلاء عندما قال : « من بلغ بنفسه إلى رتبة سقط عنها ومن بلغ به ثبت عليها » [ طبقات الصوفية ، ص 145 ؛ صفوة الصفوة ، ج 2 / 444 ] . ومن أهمّ ما اشترطه بن الجلاء على المريد لكي يجد العناية الربانية تقوده إلى الحق : الصبر على المحن والامتحانات وعلو الهمّة . فأمّا الصبر على المحن فلأنّ الذي يريد بلوغ الحق إنّما يريد الاقتداء ببعض الأنبياء والأولياء فيبلغ درجة الاتصال بالله فيكون كمن كلمه أو أخذه خليلا ، يقول ابن الجلاء في هذا الشرط : « الحق استصحب أقواما للكلام وأقواما للخلة ، فمن استصحبه الحق لمعنى ابتلاه بأنواع المحن فليحذر أحدكم طلب رتبة الأكابر » [ طبقات الصوفية ، ص 145 ] ، وأما شرط الهمّة فمعلوم أنها عند الصوفية تعني عقد العزم بكل جد وإخلاص لبلوغ المراد ، وفيها مراتب كلّما علت وارتقى فيها المريد اقترب من الهدف ، وعن واحدة من هذه المراتب يقول ابن الجلاء : « من علت همّته على الأكوان وصل إلى مكونها ، ومن وقف نفسه على شيء سوى الخلق تعالى فإنه الحق لأنه أعزّ من أن يرضى معه شريكا » [ الطبقات الكبرى ، ج 1 / 75 ] . إن مثل هذا التوحيد لا يصل إليه المريد حسب ابن الجلاء بمجرّد الزهد والاستغناء عما لدى الخلق ، بل على المريد تجاه الخلق بسلوكات وأخلاق تليق بمقام من يريد بلوغ