المنجي بوسنينة

343

موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين

أهمّ قلب صقله يحيى الجلاء وأراد أن يجعله كالمرآة المجلوة ، قلب ولده أبي عبد الله ، فكان له أول أستاذ علمه وأنشأه على حياة الزهد والنسك [ بغية الطلب في تاريخ حلب ، ج 3 / 1234 ؛ تاريخ بغداد ، ج 14 / 204 ] . لقد تتلمذ ابن الجلاء إذن على والده الإمام الزاهد والراوية وصاحب النكت اللطيفة ، وعلى جهابذة التصوّف مثل : أبي تراب النخشبي ، وذو النون المصري ، وأبي عبيد البسري ، وحكى عنهم جميعا . كما عدّهم أفضل أربعة متصوّفة من بين المئات ممّن التقى بهم ، حيث قال : « لقيت ستّمائة شيخ ما رأيت مثل أربعة : ذو النون المصري ، وأبي ، وأبي تراب النخشبي ، وأبي عبيد البسري » [ تاريخ بغداد ، ج 5 / 266 ؛ الرسالة القشيرية ، ص 20 ] . يروي أبو عبد الله بن الجلاء قصّة غريبة في علاقته بوالديه ، مفادها أنه طلب منهما أن يهباه لله ، فحقّقا له هذا الطلب وغادرهما ، ولما أراد الرجوع إليهما ذكراه بأنه هبتهما لله ، ومن شيم العرب أن لا يستردوا ما وهبوه . يقول ابن الجلاء في وصفه لما حدث له مع والديه : « قلت لأبي وأمي : أحب أن تهباني لله عز وجلّ فقالا : قد وهبناك لله عز وجلّ فغبت عنهما مدة ، فلما رجعت ليلة مطيرة فدققت الباب ، فقال لي أبي : من ذا ؟ فقلت : ولدك أحمد ، فأجاب والدي : كان لنا ولد فوهبناه لله تعالى ، ونحن العرب لا نسترجع ما وهبناه . ولم يفتح لي الباب » [ سير أعلام النبلاء ، ج 14 / 252 ؛ صفوة الصفوة ، ج 2 / 433 ] . ومن الأمور الغريبة التي يقصها أبو عبد الله عن والده ، ويجعلها من الكرامات التي لازمته لصفاء قلبه ونقاء سريرته ، أنه لما مات أشكل على الناس غسله واحتاروا في مظاهر الحياة البادية عليه ، ويصف ابن الجلاء هذه الواقعة المتعلّقة بموت والده وأستاذه فيقول : « مات أبي فلما وضع على المغتسل رأيناه يضحك فالتبس على الناس ، فجاؤوا بطبيب وغطوا وجهه ، فأخذ مجسه فقال : هذا ميت ، فكشفوا عن وجهه الثوب فرأوه يضحك ، فقال الطبيب : ما أدري حي هو أو ميّت . وكان إذا جاء إنسان ليغسله لبسته منه هيبة لا يقدر على غسله ، حتّى جاء رجل من إخوانه فغسله وكفنه وصلوا عليه ودفن » [ صفوة الصفوة ، ج 2 / 411 ؛ تاريخ بغداد ، ج 14 / 204 ] . لقد صار أبو عبد الله بن الجلاء بفضل اجتهاده وورعه وأخذه علم السلوك عن هؤلاء الأساتذة وعلى رأسهم والده ، من كبار الصوفية ومن أكابر مشايخ الشام حتّى أضحى معروفا بعدّة ألقاب منها : شيخ الصوفية ، وشيخ الشام ، والقدوة العارف ، وتروى عنه كرامات وأحوال ظاهرة وخرق للعوائد . وإذا كان ابن الجلاء قد فضل أساتذته على كل من لقي من المتصوّفة ، فلقد عدّ بدوره من أفضل المتصوّفة على الإطلاق ، وفي هذا الصدد يقول الصوفي إسماعيل بن نجيد : « يقال إنّ في الدنيا ثلاثة من أئمّة الصوفية لا رابع لهم : أبو عثمان بنيسابور والجنيد ببغداد وأبو عبد الله بن الجلاء بالشام » . وقال عنه صوفي آخر ، محمد بن داود : « ما رأت عيناي بالعراق ولا بالحجاز ولا بالشام ولا بالجبل مثل أبي عبد الله بن الجلاء » [ بغية الطلب في تاريخ حلب ، ج 3 / 1235 ؛ شذرات الذهب ، ج 1 / 230 ] . لقد كوّن ابن الجلاء بدوره عددا كبيرا من التلاميذ بالإضافة إلى الكم الهائل من